سادت في التاريخ العلمي الإنساني مجموعة من النظريات التي كان لها تأثيرها الحاسم في تغيير مسارات التقدم الإنساني، وإلى حد كبير أيضاً في تاريخ الفلسفة والأبحاث الاجتماعية. هذه النظريات هي غاية في الدقة والتعقيد، وقد أمضى أصحابها سنوات وعقودا وهم يبحثون من أجل الوصول إليها.
لكن (بول بيرسون)، الصحافي، ومارتن ريز الأستاذ في جامعة كمبردج يحاولان شرح الخمسين نظرية العلمية الأكبر في المسيرة الإنسانية في مدة لا تتجاوز 30 ثانية، كما يقول عنوان الكتاب: (نظريات بثلاثين ثانية).
لا شك أن الكثيرين سمعوا بنظريات مثل النسبية والتحليل النفسي وعلم النفس الإرادي والفوضى الكونية وغير ذلك من النظريات العلمية الكبرى. لكن هل يعرف هؤلاء ماذا تعني النظريات بالدقة؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه أصحاب هذا الكتاب منذ البداية.
لعلّ الأهمية الكبرى لهذا العمل تأتي من كون أنه يجمع بمؤلّف واحد أكبر الأفكار العلمية تأثيرا في تاريخ الإنسانية. ويمكن للقارئ أن يفهم من خلال الشرح المقدّم أغلبية (المفاتيح) التي يتم تسيير العالم الذي نعيش فيه على أساسها. هذا وقد قام بول بيرسون بمبادرة جمع أعمال رجال علم وكتّاب عالميين من أمثال جيم الخليلي وسوزان بلاكمور ومايكل بروكس وجون غريبين وغيرهم.
وإذا كان لا بد من الإشارة أن محتويات هذا الكتاب، كأي عمل جماعي، قد تتفاوت في أسلوب الكتابة. لكن هذا لا يمنع واقع أنه يمكن للقارئ أن يفهم الكثير عن ظاهرة تغيّر المناخ وسخونة الأرض التي كُتب بشأنها عشرات الآلاف من الصفحات والأمر نفسه بالنسبة لنظرية (الاصطفاء الطبيعي) و(الميكانيك الكوانتي).
كذلك من الهام الإشارة أيضا أن شرح نظرية علمي بـ300 كلمة يعطي (فكرة)عنها ولكنه لا يعطي بالمقابل معارف علمية مستفيضة حولها. بهذا المعنى الكتاب مكرّس لـ(عامّة القراء) وليس للقارئ المختص. بكل الحالات يتعلق الأمر بـ(نظريات) تشرح الأسباب التي جعلت الأمور تسير في هذا المنحى وليس بذاك.
بعض النظريات المقدّمة مثل تلك الخاصة بـ(بيغ بانغ) السائدة عامة عن بداية تكوّن العالم ليست مثبتة علمياً حتى الآن وليست خاضعة للتجربة العلمية. لكن الطريقة التي يتم تقديمها بها تثير الكثير من الفضول، حيث يتم تشبيه ما جرى بـ(برتقالة تتمدد بسبب تعرّضها لحرارة زائدة). لكن بول بيرسونس يذكّر باستمرار أن (أية نظرية علمية هي عملية إبداع منطقي يعكس التجارب الأكثر دقّة، كما يعكس أفضل طريقة لفهم العالم وآليات عمله).
بكل الحالات يتم التأكيد أن النظريات العلمية شكّلت محطات أساسية في التاريخ الإنساني، وحتى تلك (الخاطئة) منها. إذن المعروف اليوم أن الفيلسوف اليوناني بطليموس قدّم منذ القرن الثاني الميلادي نظرية تقول ان الأرض هي في مركز المنظومة الشمسية. وكان لا بد من انتظار القرن السابع عشر واختراع (المنظار) الذي يقرّب الأجرام وملاحظات غاليلي غاليليو من أجل فهم أن تلك النظرية كانت (خاطئة تماما)، وأن الأرض والأجرام السماوية الأخرى تدور كلها حول الشمس.
وما فعله غاليلي هو أنه ثبّت بملاحظاته نظرية كان قد طوّرها قبله كوبرنيك منذ مئة عام والتي جاء فيها أن الشمس وليس الأرض هي في مركز المنظومة الشمسية. لكن غاليلي وجد نفسه مكرها على أن "يتنكّر" لقناعاته العلمية، كما أن الكنيسة فرضت عليه عقوبة بالسجن لسنوات.
وفي جميع الحالات يتم التعرّض لنظريات مثل تلك الخاصة بالقوانين الكونية للجاذبية الأرضية. كذلك يتم تقديم نوع من الدليل (القاموسي) بحيث انه يضم أسماء وأهم أفكار عدد هام من رجال العلم الأكثر بروزا في المسار العلمي الإنساني. وكتاب يتعرّف القارئ فيه، من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة، على طريقة تفكير أصحاب النظريات الكبرى وكيفية رؤيتهم للعالم الذي نعيش فيه.
أكبر النظريات العلمية وأكثرها تعقيدا بلغة "مبسّطة"، ولكن مع المحافظة على الدقّة، مما يتيح التعرّف عليها من الجمهور العريض و"غير العلمي".
مفيد وسريع
يشكل الكتاب مرجعاً (مفيداً وسريعاً) لخمسين نظرية علمية يجري تعليمها في مختلف مدارس العالم ومعاهده. و(مرجعا) ليس مكرّسا مبدئيا وبالتعريف للأهل الذين يريدون أن ينسجوا علاقة ما مع ما يتعلمه أبناؤهم في المدارس والمعاهد العلمية على مختلف مستوياتها. وقد يكون مفيدا أيضا للطلبة والمعلمين وعامة و(غير العلميين).