بعد أن بحث أستاذ الطب فيليب مايير في فلسفة الطب، كرّس جلّ اهتمامه للتاريخ الفرنسي-الألماني. وبعد أن قدّم كتبا عن فرنسا وبروسيا وتاريخ الألزاس صدر له قبل فترة وجيزة كتاب تحت عنوان ذهب الراين، تاريخ نهر. ويؤرخ على مدى أكثر من 400 صفحة وعشرة فصول للنهر السحري، كما قال الرومان ذات يوم عن نهر الراين، بل واعتبروه هبة من السماء. أما فيليب مايير فاعتبر أن هذا النهر يجسّد أوروبا، فيما تعرفه من انقسامات بين الإخوة، كما فيما تصبو إليه من تطلعات عميقة للتوحيد.
ويعلن المؤلف منذ البداية حبّه الكبير لمنطقة الألزاس الحدودية بين فرنسا وألمانيا، التي ضمتها ذات فترة قبل أن تعود إلى السيادة الفرنسية، وأنه، أي المؤلف، حدد مهمة له في تنشيط العلاقات الفرنسية-الألمانية بأكبر قدر ممكن، ومن هنا جاءت كتابته عن "الألزاس"، واهتمامه بكل ما يخص تاريخ و"تقاليد" البلدين. هذا خاصة أن من يسميهم بـ"فرنسيي الداخل" لا يولون أية أهمية حقيقية بكل ما يخص ألمانيا، على خلفية ذكريات الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لبلادهم. ومن هنا بالتحديد وكون أن "نهر الراين" وجد مكانه في كتابات الكثير من الأدباء والمبدعين الفرنسيين والألمان، بدا بمثابة مادة تثير الاهتمام، لاسيما وأن مقاربته تمّت كنوع من أدب الرحلات.
لقد انطلق المؤلف في كتابته "من المنبع" من "بال" و"حتى المصب" في بحر الشمال بروتردام ومرورا بستراسبورغ. وهو يبيّن كيف أن سكان جوار النهر أحبوا "واديه"، وتوجهوا بصلواتهم إلى السماء من مختلف أماكن العبادة القريبة منه. وجمعت بين الكل "نفس الحضارة"، التي يحدد القول أنها "وريثة الحقب المتوسطية القديمة" و"طاقات الشمال الخلاّقة" في الوقت نفسه.
وعلى الوجه النقيض من التاريخ الثقافي "المتناغم" للبلدان المجاورة للراين، يُظهر التاريخ السياسي درجة كبيرة من "التمزق" على خلفية منافسات لا تنتهي أبدا، ونزعات قومية "متزمتة" قوية وغرائز توسعية، حيث كانت "المشاريع التوسعية" النازية أبلغ تعبير عنها.
لكن على خلفية تاريخ طويل من النزاع ومن حربين عالميتين مدمّرتين برزت في أوروبا ميولا جامحة نحو إقامة سلام دائم على مستوى القارة وبدافع "القرابة" بين المناطق المجاورة لنهر الراين. وبهذا المعنى استعاد النهر "عبقريته" و"ذهبه"، كما أراد المؤلف أن يشير في عنوان الكتاب. وبالاعتماد على كتابات أدباء كبار من أمثال فكتور هوغو والكسندر دوما، وعلى الذكريات الشخصية والمحددة للمؤلف عن المناطق التي يتحدث عنها، يشرح كيف أن نهر الراين يخلق "رابطة" و"هوية مشتركة" بين مجاوريه.
هكذا يؤكد على أن الجميع تقريبا يعيشون في كنف نفس المشاهد، ويتقاسمون نفس القيم الأخلاقية ويهتمون بنفس المسائل الفكرية. إنهم "إخوة"، كما يعبّر المؤلف.أما "الراين-الحدود"، فهو تعبير يصرّح المؤلف بعدم "محبته" له، على أساس أن عسكريين، خاصة الفرنسيون منهم، كانوا قد وضعوه.
ثم إن التشابه بين السكان داخل "الحدود" المعنية كبير جدا، ولذلك كان الراين قديما "ممرا تجاريا لعبور السلع القادمة من الجنوب، من إيطاليا، نحو الشمال". وكان البشر يعرفون عامة نفس نمط العيش. ثم إن "نهر الراين" عندما أصبح "راسما للحدود" تحوّل مباشرة إلى "رهان للسلطة" على مستوى البشر المعنيين.
هذا على خلاف بعض الأنهار التي غدت بمثابة "عناوين" وطنية لبلدانها مثل نهر "لوار" الفرنسي و"التايمز" البريطاني". لكن المؤلف يرى في "الراين" أيضا رمزا للمصالحة بين الشعبين الألماني والفرنسي، بعد سلسلة الحروب القاتلة بينهما، وبهذا المعنى يستحق بجدارة توصيف "النهر الأكثر نبلا بين الأنهار"، كما أطلق عليه ذات يوم هولديرلان.
إن المؤلف يعيد استخدام "نهر الراين" كفاصل حدودي إلى يوليوس قيصر، الذي اعتبره "عاجزا" أمام الغزو الجرماني، لكن مع لويس الرابع عشر "اكتسب النهر مكانته لخط حدود سياسية وعسكرية بين فرنسا الإمبراطورية"، وتتم الإشارة في هذا السياق أن جيوش الملك الفرنسي، أبادت عدة قرى عندما اجتازت إلى الضفة اليمنى للنهر. وإذا كان المؤلف يدين بقوة سياسات لويس الرابع عشر.
فإنه يُبدي الكثير من المديح حيال نابليون، الذي يعتبر أن "القوانين المدنية" التي أصدرها كانت ذات طبيعة تحريرية بالنسبة للبلدان المجاورة لـ"الراين". هكذا نال إعجاب العديد من كبار المفكرين الألمان من غوته إلى هيغل. قبل أن يصبح "العدو الأكبر" للنزعة القومية التي كان قد ساهم في خلقها، كما يؤكد المؤلف في هذا السياق أن "النزعة القومية البروسية الألمانية" غريبة جدا عن "عبقرية" نهر الراين.
ويحدد "فيليب مايير"القول إن خصوصية منطقة الألزاس، تكمن في أنها "مزدوجة الثقافة"، مما يجعل منها استثناء سعيدا في إطار النزعة المركزية الفرنسية. ويكتب: "إذا كانت منطقة الألزاس قد أبدت حذرها، بل عداءها حيال المحتل الألماني، فإن الألزاسيين والألمان ساد بينهم التسامح تدريجيا، على خلفية تذكّر حياتهم المشتركة على شاطئ نهر الراين، بل وتقاربوا خلال سنوات 1890-1914". ومن خلال التأكيد على أن نهر الراين يشكل "رمزا توحيديا" يخلص المؤلف إلى تأكيد ضرورة التقارب الألماني- الفرنسي في فترة تبحث فيها أوروبا عن "انسجامها الثقافي".
الكتاب: ذهب الراين، تاريخ نهر
تأليف: فيليب مايير
الناشر: بيران- باريس
-2011
الصفحات: 437 صفحة
القطع: المتوسط