بعد أن قدمت الباحثة الأميركية في التاريخ الإفريقي سلسلة من المقالات والدراسات حول التاريخ الإفريقي عامة وتاريخ إفريقيا الاستوائية خاصة، أثناء الحقبة الاستعمارية، كرّست كتابها الأول «إفريقيا كمختبر حي»، كما يقول عنوانه، لدراسة «الإمبراطورية والتنمية ومشكلة المعارف العلمية» كما جاء في عنوانه الفرعي.

المحور المركزي في هذا الكتاب يتعلّق بدراسة التأثير المتبادل للعلم وللإمبريالية البريطانية خلال الفترة الواقعة بين سنوات 1890 و1960، أي ما يغطي عمليا الحقبة الاستعمارية. هذا مع التركيز على الواقع الإفريقي في مجالات البيئة والصحة والنزعات العنصرية وتطوّر المجتمعات.

ويتمثل أحد المصادر الرئيسية للتحليلات المقدّمة في هذا الكتاب بالمشروع البريطاني الذي حمل عنوان «حول بقاء إفريقيا»، الذي تمّ الشروع فيه خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، وحُدد هدفه باكتشاف الكيفية التي تمّ فيها تطبيق العلوم الحديثة على المشاكل الإفريقية. وتقوم المؤلفة في هذا الإطار بالبحث عن دور الهيئات العلمية في الإدارة الإمبريالية، الاستعمارية، ونتائج ذلك الدور على التنمية الاقتصادية وعلى الواقع العلمي الإفريقي بصورة عامة.

بهذا المعنى يمكن اعتبار «إفريقيا كمختبر حي» بمثابة كتاب عن «تاريخ إنتاج المعرفة» في مختلف المشارب بإفريقيا، خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية. هذا مع إشارة المؤلفة أن إفريقيا الاستوائية كانت أحد آخر مناطق العالم التي عرفت استمرار التجربة الاستعمارية الأوروبية وبالتالي عايشت وصول «موجة» جديدة من الاختصاصات العلمية ومن مناهج البحث العلمي.

كما تتمثل إحدى النتائج الأساسية التي تتوصّل إليها المؤلفة من تحليلاتها بالقول إنه إذا كان هدف المستعمرين البريطانيي بالتأكيد هو تحديث إفريقيا وتطويرها فإن جهودهم لم تؤد إلى تغيّر ملموس على أرض الواقع. ذلك خاصة بسبب التباين بين الاهتمامات العلمية البحتة والمشاغل اليومية الملحّة للسلطات المحلية.

ثم إن الأسئلة التي يطرحها رجال العلم والنظريات والفرضيات التي يعملون على أساسها تكون متأثرة دائما بعوامل تتعلق بمجتمعاتهم الأصلية وبتجربتهم الشخصية وهويتهم ونمط الاقتصاد السياسي السائد لديهم. من هنا بدا الدور العلمي للمستعمرين بعيدا إلى حد ما عن الواقع الإفريقي. ويتم نوع من الربط بين الكيفية التي تمّ على أساسها «تقسيم إفريقيا» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبين النشاطات العلمية الأوروبية في القارة.

وتحدد المؤلفة القول إن أحد الآثار على ذلك تبدو بقدر كبير من الوضوح على مستوى المؤسسات. ذلك أن مختلف الأمم الاستعمارية، بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وألمانيا، سعت كلها من أجل إعادة توجيه مؤسساتها إلى هذه الدرجة، أو تلك حول الإمبراطوريات التي أشادتها.

هكذا يبيّن المثال البريطاني أن حكومة التاج أنشأت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مؤسسات متنوعة لـ«الطب الاستوائي»، ودراسة أفضل السبل الممكنة من أجل تحسين الشروط الصحية بالنسبة للأجانب المقيمين في الخارج، أي في مختلف البلدان التابعة للإمبراطورية البريطانية، وكذلك دراسة المشاكل الصحية للأفارقة أنفسهم. ما تؤكده المؤلفة هو أن تبدّلا مشابها جرى في مجالات البحث بميادين التمويل والتكوين الجامعي ووجد صداه الواضح في توجهات الحكومة البريطانية الاستعمارية.

وبصورة عامة يتم التأكيد أنه كانت هناك عملية تبادل، على مستوى ما، بين العلم وشتى أشكال المعرفة وبين الأشخاص المعنيين بها والأمكنة «موضوع الدراسة». وتقدم المؤلفة في هذا السياق العديد من البراهين على أن بعض الفروع العلمية برزت في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر مثل العلوم المتعلقة بالبيئة والطب الاستوائي وعلم تطور المجتمعات، ثم توسعت بالتوازي مع توسع إطار الإمبراطورية البريطانية.

وعلى صعيد الواقع الملموس بحث عدد من العلماء في وتؤكد المؤلفة أيضا أن تبدلا كبيرا كان قد جرى داخل الإطار الإمبراطوري والإدارة الاستعمارية نفسها. فوجهات النظر التي كانت مقبولة خلال سنوات 1890 أصبحت بعدد كبير منها غير فاعلة عام 1920. وتتم إعادة الأمر إلى أسباب متنوعة في عدادها أن المثقفين اليساريين البريطانيين الذين تدافعوا في البداية نحو إفريقيا تحوّلوا بعد فترة إلى موقف النقد الشديد للإدارة الإمبريالية.

ذلك على غرار سيدني اوليفيه الذي أمضى القسم الأكبر من عمله المهني في السلك الوظيفي الاستعماري ووصل إلى منصب حاكم جامايكا ثم وزير دولة للهند، وانتهى إلى إصدار كتاب نقدي عنيف تحت عنوان: «رأس المال الأبيض». إنه مثال بين أمثلة عديدة تسوقها المؤلفة.