في هذا الكتاب يتتبعُ الباحث عبد القادر حمود مسيرة الشعر الساخر، منذ نشأته الأولى في الشعر العربي القديم، حتى يصل إلى عصرنا الحديث، حيث الأساليبُ الشعرية تطورت برمتها.
ومن الطبيعي أن يتطور الشعرُ الساخر معها. وبعد أن يُعَرِّف السخرية، اعتماداً على المعاجم، بأنها الهزء، وما يبعث على الضحك، ويقاربَها مع مفهوم الهجاء، الذي يعني تعداد معايب المهجو، والانتقاص من شأنه، ينتقل إلى البحث في دوافع السخرية فيجدها في التحريض، والتكوين النفسي للشاعر، وميوله الفطرية، والبيئة المحيطة به.
وفي معرض الإجابة عن سؤال وجهه الباحثُ (حمود) إلى عينة لا تقل عن سبعين شخصاً من مختلف الأعمار والثقافات والأجناس، حول دوافع السخرية، تنوعت الإجابات، فقال بعضهم إن العيب في الكاتب الساخر نفسه، إذ ربما كان لديه شيء من التعالي، والتكبر، وحب الظهور، والغيرة، والإعجاب بالنفس، وهذا ما يولد لديه قصدية إلحاق الضرر بالآخرين، كتجاهلهم، والانتقاص من قيمتهم، والحقد عليهم، وإحراجهم، والاستخفاف بمشاعرهم. وقال البعض الآخر إن ثمة أسباباً تتعلق بطبيعة الفرد الساخر، وتكوينه النفسي، وتفاهته، وضعف مضمونه، وربما سوء تربيته الذي يفرز ضعفاً في الوازع الديني والأخلاقي لديه.
وذهب بعضهم إلى أن الشخص الساخر الذي يشعر بأنه متفوق، يستهتر بالآخرين بسبب ما لديه من جنون العظمة، وأحياناً يلجأ إلى السخرية ليهرب من سؤال، أو موقف مُحرج. ولكن، لعل التعالي على المجتمع أن يكون في بعض الأحيان شعوراً سليماً، إذ يلجأ الأديب إلى السخرية بعدما يفقد الأمل بالإصلاح، من مبدأ المثل القائل (آخرُ الطُبِّ هو الكَيّ)، أو كما عَبَّرَ الشاعر اليمني عبد الله البردوني (إن مجافاة الشاعر للعالم هي ذروة الذروات في الحب)،
وعلى ما يبدو أن الشعر الجاهلي كان فقيراً بالهجاء، بدليل أن المؤلف لم يقدم لنا من العصر الجاهلي سوى نماذج قليلة، منها القصيدةُ التي هجا بها طرفة بن العبد عَمْرَ بنَ هند، وكانت سبباً في مقتله ويقول في مطلعها: فليتَ لنا مكانَ المَلْكِ عَمْروٍ رَغوثاً حولَ قُبَّتِنا تخــورُ و(الرغوث هي المرضع من الحيوانات).
ومنها بعضُ هجائيات الأعشى والشاعر حسان بن ثابت، الذي حذا حذو طرفة، إذ شَبَّهَ قومَ مهجوه بالحيوانات فقال: ترى التيسَ عندَهُمُ كالجواد/ بل التيسُ وسطَـهُمُ أنجَبُ/ فلا تدْعُهُمْ لقـراعِ الكماةِ/ ونادِ إلى سـوأةٍ يركبـوا.
وحسان بن ثابت الشاعر المخضرم يمتلك قياد سخرية مرة وقاسية، يستطيع من خلالها إلباس مهجوه صفات مخزية تجعله أضحوكة زمانه، وهو الذي تربع على عرش الهجاء الديني، حينما أصبح شاعراً للدعوة الإسلامية. حيث قال يهجو الحارثَ بن كعب: حارِ بنَ كعبٍ ألا الأحلام تزجرُكمْ/ عني وأنتم من الجوف الجماخيرِ/ لا بأس بالقوم من طولٍ ومن عَظَمٍ/ جسمُ البغــال وأحلامُ العصافيـرِ
والسخرية عند بعض الشعراء، تلبس لبوس التهكم، وهو درجة- بحسب حد الباحثين- أقل من السخرية المطلقة. كما فعل الشاعر أبو الطيب الظاهري حين أراد أن يهجو حاكماً شغله صيد البط عن تسيير مصالح الناس فقال فيه: طال غزوُ الأير للبط حتى/ ما له من عاداته إقفالُ/ فهنيئاً له، هنيئاً مريئاً/ كلُّ قِرْن لقِرْنه قَتَّـالُ.
ويتصفُ تهكمُ أبي نواس بصفات فنية متميزة، إذ يستخدم اللعبة اللفظية في كلمة (جواد) التي تعني الحصان وتعني الكريم، ويجري تبديلاً في حروف كلمة (عَدي)، ليخرج بأبيات غاية في الروعة قالها للتهكم من رجل يدعى الهيثم بن عَدي: يا هيثمُ بنَ عديّ لستَ للعربِ/ ولستَ من طيّءٍ إلا على شَغَبِ/ إذا نُسِبْتَ عَـدِيَّاً في بني ثُعَلٍ/ فقدمِ الدالَ قبل العين في النسبِ.
وترتفع الحالُ الفنية عنده لتبلغ أقصى حدود السخرية الراقية (الكاريكاتيرية)، حينما يسخرُ من رجل بخيل، فيقول فيه: فتى لرغيفه قُرْطٌ وشَنفٌ/ وخلخالانِ من خرزٍ وشَذْرِ/ ودون رغيفه قَلْعُ الثنايا/ بكا الخنساءِ إذ فُجِعَتْ بصخرِ/ إذا فقدَ الرغيفَ بكى عليه/ وحَرَّبَ مثلَ وقعةِ يومِ بَدْرِ.
وتصل الحالة التهكمية عند الشاعر العراقي إلى حد تقديم صورة مشوهة لأقطاب المجتمع، التي ربما أريد لها أن تكون مثالية، أو قدوة، وإذا بها على العكس من ذلك، حيث يقول: صحتُ من قسوة حالي/ فوق نعلي كل أصحاب المعالي/ قيل لي: عيبٌ فكررتُ مقالي. ثم لما قيلَ لي (عيبٌ) تنبهتُ إلى سوء عباراتي.. وخففتُ انفعالي/ ثم قدمتُ اعتذاراً لنعالي.
ويضم الكتاب فصلا عن (التحامُق)، وكُتَّابُه ليسوا حمقى، بل يتقمصون شخصية الحمقى، قبل أن ينظموا قصائدهم، فقد جاء في كتاب (عقلاء المجانين) لابن حبيب أن أحد الأدباء مر بمجنون يتكلم، فتأمل كلامه، فإذا هو رصين يدور على الأصول، فقال له: ما حَمَلَكَ على التحامق؟ فقال: جَنَّنْتُ نفسي لكي أنال غنى/ فالعقلُ في ذا الزمان حرمانُ/ يا عاذلي لا تلمْ أخا حُمْقٍ/ تضحكُ منه فالحمقُ ألوانُ.
كما يخصص كذلك فصلاً خاصاً بالشعر (الحلمنتيشي) الهزلي، الذي يتسم بالدعابة، إضافة إلى السخرية والتهكم، ومن أبرز أعلام هذا اللون الشعري حسين شفيق المصري وبيرم التونسي الذي تشاجر معه ذات مرة في مساجلة حلمنتيشية، فقال بيرم يخاطبه: يا حسين بن شفيقة/ ضجرتْ منك الخليقه/ أبـداً تُحْــدثُ كالناقـوسٍ أصواتاً عتيقه/ هل ترى الناقوسَ قد غيرَ في الدنيا زعيقُه/ أم رأيت الجحش يستبدلُ ما عاش نهيقَـه.
الكتاب: هكذا يسخر الشعراء
تأليف: عبد القادر حمود
الناشر: دار نون 4 حلب 2010
الصفحات: 206 صفحات
القطع: الكبير