تنظر جميع المجتمعات الإنسانية بكثير من الإعجاب لأولئك الذين يتفوقون في مختلف الميادين، الرياضة وغيرها. وتؤكّد كلها على عدة سمات يتميّز بها البشر وفي مقدمتها الأهلية والكفاءة والذكاء والمهارة.
هذه السمات هي التي «تصنع» من البعض أبطالا كما يشرح الصحافي الرياضي والبطل الأولمبي السابق ماتيو سايد في كتابه الذي يحمل عنوان «القفزة المفاجئة» ويحاول الإجابة فيه على سؤال: كيف تتم صناعة الأبطال؟ كما يقول عنوانه الفرعي. كذلك يحاول أن يشرح فيه دور «الموهبة الفطرية» و«الظروف الحياتية» في صناعة هؤلاء الأبطال.
إن البشر يبحثون بـ«طبيعتهم» إلى تأكيد ذاتهم. وليس هناك ما يمكن أن يثير قدرا من الفرح أكثر من «التغلّب على منافس». هذا ما يقوله المؤلف مؤكدا أننا جميعا «نحبّ أن نفوز ونكره الخسارة، أكان ذلك على أرض الملعب أو في صناديق الاقتراع، وفي المكتب أو في صالة الدروس». على أساس مثل هذه النظرة «الجريئة» للسلوك الإنساني يحاول «ماتيو سايد» سبر الأسباب العميقة الكامنة وراء «الطبيعة التنافسية». فـ«لماذا نربح»؟ و«لماذا نخسر»؟
و«لماذا لسنا من بين الفائزين أو من بين المهزومي»؟. و«كيف لعبنا لعبة الحياة»؟. مثل هذه الأسئلة يناقشها المؤلف عبر انعكاساتها في مختلف المشارب من الاقتصاد إلى السياسة ومن الرياضة إلى الثقافة وعلى مستوى جميع المشارب الأخرى ونشاطات الحياة.
إن المؤلف، وبالاعتماد على العديد من الدراسات يشرح الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص «يبرزون» في مختلف الظروف. هذا مع إعطائه الأولوية لدراسة دور ما هو فطري وأيضا لدور الممارسة والعمل الدؤوب والإرادة.
هكذا مثلا يعيد نجاحه هو نفسه وصولا إلى احتلال المركز الأول في بريطانيا برياضة كرة المضرب إلى «سرعته الفائقة» بالقياس لخصومه وإلى «براعته» التي اكتسبها من جديّة تدريبه إلى «خبرة مدربه ووجود تجهيزات ومنشآت رياضية بالقرب من سكنه وامتلاكه للوقت الكافي كي يصقل كفاءاته ويطوّرها إلى الحد الأقصى، وعبر ذلك كله أصبح نجما رياضيا».
ولعله من الهام القول ان المؤلف يجد أكثر الحجج إقناعا لدعم تحليلاته في تجربته الشخصية نفسها باعتباره كان بطلا وطنيا وساهم مرتين في الألعاب الأولمبية. لكنه، رغم حماسه في سرد حكاية نجاحه باعتبارها «قصة نجاح شخصي وانتصارا لم يكن منتظرا ولا متوقعا»، فإنه يقوم بنوع من «إعادة النظر فيها على ضوء تجارب لكبار نجحوا في ظروف مغايرة وسياقات مغايرة من موسيقيين ورياضيين، رجال ونساء في مختلف الحقب».
البعض يحققون انتصارات كبيرة رغم كل الظروف المحيطة بهم والتي ربما كان منها أن تدفعهم في اتجاهات أخرى. هذا إلى حد يبدو أن في الأمر «ضربة حظ» ما. هكذا يشير المؤلف أنه وجد في منزل أسرته طاولة للعب كرة المضرب عندما كان عمره ثماني سنوات.
ويشير أنه لم يكن هناك «أي سبب واضح» يدعو إلى ذلك. وشاءت الصدفة أيضا أن أخاه الأكبر كان من هواة لعبة كرة الطاولة وقد اصطحبه ذات يوم معه لحضور مباراة استمرت ساعات طويلة. واستمرت سلسلة «الصدف» بوجود أستاذ لكرة المضرب في مدرسته الابتدائية كان قد اختار 10 من التلامذة ووجههم نحو نوادي كرة المضرب، وكان «ماتيو» من بين الذين اختارهم وحيث أصبح عدد منهم أبطالا على مستويات مختلفة في تلك اللعبة.
ويناقش المؤلف على مدى العديد من الصفحات مفهوم «الموهبة» نفسه بعيدا عن الحالات الشخصية، بما في ذلك حالته. وبالاعتماد على دراسات في مجال علم الأعصاب يشرح كيف أن بعض الممارسات في مجال المنافسات يمكن أن تؤدي إلى تحولات على صعيدي الجسد والملكات الذهنية بحيث يكون لها تأثيرها المباشر على «الثقة بالنفس» التي تشكل أداة أساسية، مركزية، في دفع إمكانيات الأشخاص إلى حدود قصوى «تتجاوز المقدمات المنطقية».
وضمن مثل هذا الإطار يحاول ماتيو سايد البرهان على أن نظرية «الموهبة الطبيعية» التي يرددها كُثر ويعتبرونها القاعدة الأساسية التي تقوم عليها «النجومية» وبلوغ «المواقع الأكثر علوّا» في مختلف المجالات، إنما هي نظرية تتغذّى بالمبالغة في قيمتها وفي دورها.
ومن الأفكار الأساسية التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب تأكيد المؤلف أنه ينبغي على نجوم الرياضة أن لا يشكّوا لحظة واحدة بقدرتهم على الفوز كي يصلوا إلى الحد الأقصى من الفعالية، هذا حتى لو كان مثل ذلك اليقين بالفوز لا يصمد على المستوى العلمي.
كما ينبغي عليهم التصرّف وكأن «التحدّي» الذي يواجهونه سهلا رغم صعوبته الواقعية عندما يخضع للمنافسة وأن أهميته تأتي أصلا من صعوبته ومن رهانه. مثل هذه الأفكار يناقشها المؤلف تحت عنوان عريض هو «الفكر المزدوج». «الفكر» الذي يؤكد على «أهمية الإيمان بالقدرة على النجاح» و«التصرّف بقدر كبير من الصفاء والهدوء» أمام رهانات «صعبة التحقيق» في الواقع.
ويكرس المؤلف في القسم الأخير من الكتاب عن «المواد المنشّطة ــ للرياضيين ــ والتلاعب بالمورثات ــ الجينات- ونتائجها الأخلاقية». ويحاول في الصفحات الأخيرة الإجابة على سؤال ــ يخص معرفة إذا كان «السود» يملكون صفات أعلى في مجال رياضات الجري.
هذا كتاب عن «الموهبة» وأسرار الفوز، وليس في مجال الرياضة وحدها، ولكنه هام بالنسبة لجميع أولئك الذين يريدون التعرّف على أفضل الطرق لاستثمار أفضل ما لديهم ولدى المحيطين بهم.
الكتاب: القفزة المفاجئة: كيف تتم صناعة الأبطال؟
تأليف: ماتيو سايد
الناشر: فورت ايستيت نيويورك 2010
الصفحات: 304 صفحات
القطع : المتوسط