يقول بيير موسى في تقديمه لكتابه الذي يحمل عنوان: «إمبراطوريات الصحراء الخمسة والعشرين» ما مفاده: «في اللحظة التي انتهيت فيها من إعداد هذه الدراسة كنت في الثامنة والثمانين من عمري. فلماذا إذن وأنا في آخر حياتي انكببت بهذا الحماس على التأريخ للشرق الأدنى والأوسط؟ هذا يعود جزئيا لرغبة إعادة الصلة مع الطفل والمراهق الذي كنته.
فوالدي كان مصريا، هويتي نصفها شرقي (...). لكن الأسباب التي دعتني للاهتمام بالشرق الأدنى والأوسط ليست ذاتية كلها. أعتقد بأن تاريخ هذه المنطقة من العالم مهما جدا كون أن كل شيء يجري وكأن الجنس البشري عاش فيها جزءًا كبيرا من مراهقته». إن المؤلف يستعرض الأحداث الكبرى التي أسهمت في صياغة الشرق الأدنى والأوسط على ما هو عليه الآن.
وكذلك يحاول رسم منحنى تطوره. ويبدأ المؤلف من البداية، أي من الحقبة التي ظهر فيها البشر الأوائل في القارة الإفريقية، كما يتفق علماء الآثار ودارسو تطوّر المجتمعات الإنسانية، ثم في منطقة الشرق الأوسط، كما تدلّ «الأدوات» التي استخدمها السكان القدامى للمنطقة.
وكذلك كما يدل استخدامهم لـ«النار» منذ الحقب القديمة. ويؤكد المؤلف أن تلك الاختراعات «البدائية» أسهمت إلى حد كبير في ظهور الأشكال الأولى للحضارة و«لعبت دورا حاسما في اختراع الزراعة وتربية المواشي والانتقال إلى الحياة الحضرية وظهور القرى والمدن والكتابة واستخدام المعادن. وقد جرى الوصول إلى سبعة اختراعات كبرى خلال سبعة آلاف سنة تمتد من 10000 سنة إلى 3000 سنة قبل عصرنا».
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يسهب في استعراض تاريخ الإمبراطوريات القديمة التي تعاقبت أو تزامنت سلطتها على الشرق الأوسط فإنه يتوقف طويلا عند ما يسميه «عظمة الإمبراطورية العثمانية وسقوطها»، باعتبار أنها تمثل إحدى الفترات الكبرى في المنطقة خلال الحقبة الواقعة بين القرن السابع عشر والقرن العشرين. ويحدد المؤلف حدوث تطورات عدة كبيرة في الشرق الأوسط خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتأكيد أن نتائج تلك التطورات لاتزال ماثلة حتى اليوم. هذا على مستوى استغلال البترول الذي تمثل المنطقة «أحد مصادره الأساسية». وكذلك على صعيد «الانتقال» من دبلوماسية وهيمنة بريطانيتين إلى الولايات المتحدة الأميركية، واستقلال دول المنطقة بعد نهاية فترات الانتداب والحماية لفرنسا وبريطانيا، وبزوغ حلم «التوحيد القومي العربي وفشله»، وخلق إسرائيل ثم الحروب الإسرائيلية-العربية المتعاقبة وبدء مسيرة السلام.
يطرح المؤلف تحت عنوان: «الشرق الأدنى والأوسط بمواجهة المستقبل» أسئلة عديدة حول الطاقة من نفط وغاز ونوويات. ويحدد أيضا القول بأن الروابط بين تركيا والدول الأوروبية تشكّل جزءا من منطقة الشرق الأوسط التي «تشمل» بهذا المعنى ألبانيا وكوسوفا ومقدونيا واليونان وقبرص.
كذلك يكرس المؤلف عددا من صفحات الكتاب لدراسة الأوضاع الحالية في المنطقة حسب الدول واحدة بعد الأخرى من سوريا إلى إيران ومرورا بلبنان والعراق والأردن ومصر وبلدان شبه الجزيرة العربية وإسرائيل والأراضي الفلسطينية.
والمؤلف ليس مؤرخا ولا جغرافيا ولا دبلوماسيا ولكنه «مصرفي». وعندما انتهى من عمله كان ما يسمى بـ«الثورات العربية الجديدة» قد بدأت. ولكن سمح له الوقت قبل صدور الكتاب الإجابة على سؤال: «إلى أين ستؤدي هذه الثورات»؟ بالقول: «ربما إلى أنظمة مختلفة جدا من بلد إلى آخر. وربما تقوم هنا أو هناك دكتاتوريات أسوأ من سابقاتها (...). وعلينا أن لا ننسى أن الكاثوليكية في أوروبا قد تمّ اعتبارها لفترة طويلة غير قابلة للتعايش مع الديمقراطية».
وعن مسيرة السلام في الشرق الأوسط نقرأ: «لقد كدّس الإسرائيليون الأخطاء الكبرى منذ زمن عبر الإفراط في استعمار الضفة الغربية والقدس الشرقية وتخريب قطاع غزة والهجوم على الأسطول الإنساني».
الكتاب: إمبراطوريات الصحراء الخمسة والعشرين
تأليف: بيير موسى
الناشر: سان سيمون ــ باريس ــ 2011
الصفحات: 351 صفحة
القطع: المتوسط
Les 25 empires du désert
Pierre Moussa
Saint Simon - Paris- 2011
.p 153