رغم أن ليهود الولايات المتحدة دوراً مهماً وخطيرا في قيام الكيان الصهيوني، وما ترتب على ذلك من قضايا كبرى أثرت على العالم، وأحداث مثلت الركن الأبرز من حياتنا العربية، إلا أن أغلب الدراسات العربية لم تنتبه لهذا الدور القوي والمؤثر في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي جعله من أشد القضايا غموضا في تاريخ العلاقات الدولية، ولهذا جاء هذا الكتاب، ليحاول تتبع هذا الدور، وتحطيم جدران الغموض التي شابت هذا الأمر.

وجاء هذا الكتاب تحت عنوان «دور يهود الولايات المتحدة في دعم الحركة الصهيونية»، ويستهله المؤلف بمقدمة يبرز فيها قلة الدراسات العربية التي تناولت هذا الموضوع، ويشرح الأسباب التي دفعته إلى الاهتمام بدراسة تلك الفترة بالذات، لأنها شكلت الإرهاصات المبكرة لظهور الكيان الصهيوني.

واختار المؤلف أن تبدأ دراسته من تاريخ صدور الكتاب الأبيض البريطاني لعام ‬1939، الذي شكل تحولا مهما في موقف بريطانيا تجاه الحركة الصهيونية، واختار اليوم الذي وافق إصدار بيان وزير الخارجية البريطاني أرنست بيفن، الذي أعلن فيه عن تشكيل اللجنة الأنجلو أميركية لبحث مشكلة فلسطين.

وحسب الكتاب لعل من أهم القضايا التي حاول قادة الحركة الصهيونية الاستفادة فيها من قوة ونفوذ الجالية اليهودية في الولايات المتحدة هي قضية إنشاء الجيش اليهودي، فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية كانت المسألة الأساسية المستحوذة على فكر قادة الحركة الصهيونية، هو كيف يمكن استغلال واقع اندلاع الحرب لتشكيل جيش، أو فرقة يهودية تعمل في صفوف القوات البريطانية، لتكون بمثابة جيش قائم معترف به عند انتهاء الحرب، مُعد لدخول وخوض الحرب الحقيقية مع السكان الأصليين في فلسطين.

وعندما لم تنفذ الحكومة البريطانية وعدها للصهاينة بإنشاء القوة المقاتلة اليهودية، خوفاً من إغضاب العرب في أواخر عام ‬1940 وأوائل عام ‬1941 اندفع بن جوريون، بناءً على نصائح أصدقائه من البريطانيين، وعلى رأسهم الضابط البريطاني وينجيت للتوجه إلى الولايات المتحدة، للاستعانة بالأميركيين في المطالبة بإنشاء القوة المقاتلة اليهودية.

ولم يقتصر دور اليهود الأميركيين على محاولة دعم مقترح الجيش اليهودي سياسًيا فقط، بل لعبوا دوراً هامًا فيما بعد في توفير السلاح والعتاد لهذا الجيش، حيث ساهمت عدة منظمات صهيونية أميركية في تهريب الأسلحة من الولايات المتحدة إلى فلسطين.

والقضية الثانية التي أثارها المؤلف فجاءت في الفصل الثاني تحت عنوان «تطور فكرة الوطن القومي في مؤتمر بلتيمور مايو ‬1942»، حيث تناول مؤتمر بلتيمور المؤتمر الأشهر في تاريخ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، والذي عقد لشعور قادة مجلس الطوارئ الصهيوني الأميركي بالحاجة إلى صياغة سياسات صهيونية جديدة، مما دفعه إلى توجيه الدعوة لعقد اجتماع استثنائي في فندق بلتيمور في نيويورك، في الثامن من مايو‬.

وقد حضر هذا الاجتماع من الزعماء الصهيونيين البارزين: حاييم وايزمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية آنذاك (ورئيس الوكالة اليهودية كذلك)، ودافيد بن جوريون رئيس اللجنة التنفيذية الصهيونية، وغيرهم من كبار قادة الحركة الصهيونية.

كما تكلم المؤلف عن «الدعاية الصهيونية»، وكيف قام الصهاينة الأميركيون بحملة دعائية مكثفة للحصول على تأييد الرأي العام الأميركي لدعم الأهداف الصهيونية والوسائل التي استطاع الصهاينة ومؤيدوهم من خلالها كسب تأييد الرأي العام الأميركي. وفي الفصل نفسه تناول المؤلف الحديث عن الإبادة النازية لليهود، وأظهر موقف قادة الحركة الصهيونية تجاه المذابح التي تعرض لها يهود شرق أوروبا، حيث أورد بالأدلة أن القيادة الصهيونية كانت على علم بما يحدث لليهود في وقت مبكر جدا، ولكنها لم تهتم بما جرى لهم، وهو ما انعكس أيضاً على موقف يهود الولايات المتحدة من هذه القضية.

وفي الفصل الرابع والأخير والذى جاء بعنوان « ضغوط الصهاينة الأميركيين على إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين» حرص المؤلف على تتبع البدايات الأولى لاهتمام الولايات المتحدة بالفكرة الصهيونية، فذكر أن حكاية الدعم الأميركي لإقامة دولة يهودية في الشرق الأوسط بدأت منذ وقت مبكر جدا، فلم يكن للرئيس الأميركي جون آدامز (‬1797-‬1801) أن يكون أكثر صراحة عندما قال: «أتمنى حقا أن يقيم اليهود ثانية دولة مستقلة في يهودا».

ويوضح الكتاب الأسباب التي أدت إلى انتقال دعم إقامة دولة للكيان الصهيوني على أرض فلسطين من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، كما يكشف عن أسرار جديدة حول طبيعة العلاقات بين القوى الصهيونية في الولايات المتحدة، ونظيرتها في أوروبا في تلك الفترة الحرجة، وكذلك ظروف انتزاع يهود الولايات المتحدة لزمام قيادة الحركة الصهيونية العالمية.

وكذلك جذور اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ومكمن قدرته في فرض توجهاته على السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية، وكيف ظهر على السطح التحالف بين الحركة الصهيونية وقوى اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية، كما سلط الضوء على كيفية نجاح الآلة الدعائية لصهاينة الولايات المتحدة في تشكيل الرأي العام الأميركي، ومواقفه تجاه القضية الفلسطينية خلال الحرب العالمية الثانية.

 

 

 

الكتاب: دور يهود الولايات

تأليف: عبدالوهاب سعيد شاكر

الناشر: هلا للنشر والتوزيع

الصفحات: ‬244

الطبعة الأولى: ‬2011