لا يزال الكاتب الفرنسي »مارسيل بروست« صاحب العمل الشهير »البحث عن الزمن الضائع« يثير الكثير من الاهتمام حتى اليوم. ولا تزال رفوف المكتبات الفرنسية تشهد أعمالاً جديدة حوله في عدادها كتاب الفيلسوف رافاييل أنتوفن الذي صدر قبل فترة وجيزة تحت عنوان »قراءات بروست«.
يأتي هذا الكتاب بصيغة ١١ حواراً يقدّم فيها المؤلف »القراءات الممكنة« لما يسميه »القارّة البروستية، نسبة إلى مارسيل بروست«. وما يؤكد عليه المؤلف هو حرصه على أن »يظل وفياً« لروح أعمال بروست، لكن »دون أن يكون خاضعا« له، بمعنى اللجوء إلى »تمجيد« على خلفية الشهرة الكبيرة التي يتمتع بها. كذلك يؤكد على احتفاظه بـ»حرية الاختيار« فيما يتعلق بالمادة التي يتعامل معها من بين كتابات بروست.
ويحدد المؤلف القول ان أعمال بروست تشكّل في جوهرها طريقة »تربوية« للنظر إلى العالم الذي يحيط بنا بطريقة جديدة وخلاّقة دون محاولة تشويهه. هكذا يمكن من خلال ما يقارب المئة صفحة من »البحث عن الزمن الضائع« الخاصة بحي »سان جرمان« الباريسي لرؤيته بـ»طريقة جديدة«.
ومن خلال »التجوال« مع شخوص العمل في ذلك الحي يقدّم بروست مفهوما عميقا لـ»الطبيعة الإنسانية«. يتم التأكيد في السياق أن »مارسيل بروست« يتصرف كـ»فيلسوف« في الموضوع الرئيسي الذي يناقشه في مختلف أعماله والذي يمثل »الجنس البشري« محرّكه الرئيسي. هذا »الجنس البشري« الذي »لا يتغيّر« كثيرا، كما يؤكّد المؤلف.
من الأفكار التي يؤكد عليها المؤلف بأشكال مختلفة في هذه »القراءات« التي يقدمها لأعمال مارسيل بروست، تتمثل في قوله ان أولئك الذين »تفوتهم« فرصة عمل ذلك »يخسرون« في الواقع ذلك »المجهر« الذي يسمح برؤية »ما يراه الآخرون«. كذلك »تفوتهم« فرصة »الاندهاش« في عالم لا يسمع لنا ضغط ما نحتاج إليه بتأمّله. ولا يتردد المؤلف في التأكيد بهذا السياق أن من لا يقرؤون عملاً مثل »البحث عن الزمن الضائع« يضيعون فرصة ثمينة في خوض مثل هذه التجربة بسبب »نقص الوقت أو نقص الشجاعة«.
ويبدو مارسيل بروست، كما يتم تقديمه، بمثابة »الحليف الأفضل للحياة« وكـ»أداة لا مثيل لها للسعادة من حيث قدرتها على تحويل الآلام نفسها إلى موضوع للتفكير والتأمّل«. ويطلق المؤلف في هذا الإطار نوعاً من »التحدّي« أمام كل من يقرأ صفحة من »البحث عن الزمن الضائع« والتوقف بعد ذلك عن إتمام قراءة الصفحات التالية أو العودة إليها.
تتم الإشارة في هذا السياق أيضاً إلى أنه ينبغي قراءة »البحث عن الزمن الضائع« كاملا. لكن ذلك »لا يكفي«، حيث تنبغي قراءة العمل مرتين. مرة أولى باعتباره قصة رجل يخمد فيه شعاع الحياة بتمهّل بالتوازي مع خيبات الأمل التي تصادفه.
ومرّة ثانية باعتباره قصة المؤلف ذاته ؟ مارسيل بروست- والتمعّن في رؤيته للعالم وللحياة. و»تعلّم ذلك«. والانتقال بالتالي »من الزمن الضائع« إلى »الزمن الذي تمّ »العثور عليه«. هذا تماما على غرار الفنان الذي يعرف كيف يجعل من كل لحظة من لحظات الحياة فرصة لـ»تحقيق معجزة« أو تأليف »مقطوعة شعرية«.
إن الدرس الأكبر الذي يخرج به المؤلف هو أن المجتمع المعاصر »ليس فيه من جديد« وأنه يردد »نفس المعزوفة« التي عزفتها المجتمعات قبله. أما المهم فهو »محبّة الأشياء« قبل الحكم عليها.