شغل المشروع القومي العربي أجيالاً عربية أنفقت شبابها على النضال، لتحقيق هذا المشروع، مع بداية بزوغه في عشرينات القرن الماضي، وهي الفترة التي تزامنت مع نضال عدد من الأقطار العربية للحصول على استقلالها، عقب سقوط الخلافة العثمانية بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وفي كتاب:
علمنة المشروع القومي في المشرق العربي (0291 - ٠٧٩١) يحاول المؤلف الدكتور محمد شيّا أن يتلمس محاولة صبغ هذا المشروع بالصبغة العلمانية منذ نشأته، وحتى عام ٠٧٩١، رغم أن المؤلف لا يوضح لماذا وقف عند عام ٠٧٩١، واعتبره نهاية للفترة التاريخية التي يتناولها في كتابه؟.
يقع الكتاب في ٣ فصول وخاتمة، ويعتبر في مقدمة الكتاب أن أي مشروع قومي هو بالضروري علماني؛ لأنه يقوم على فكرة القومية وليس على انتماء ديني بذاته، إلا أنه يقرر في نفس الوقت أن كل مشروع قومي قد يختلف في درجة علمانيته، معتبرا أن المشروع القومي العربي هو مشروع معتدل في علمانيته، مقارنة بالمشروع العلماني الأوروبي الذي قام على أساس قطيعة مباشرة وصريحة مع الدين.
وعرض المؤلف للمفاهيم المختلفة للعلمانية، من بينها المفهوم الذي يعتبر العلمانية هي اللادينية التي تنفي أي دور للدين أو الإله، وأشار إلى أن ما انتهت إليه العلمانية الأوروبية لم يكن سوى نتاجا اجتماعيا وإنسانيا، في ظل السياق التاريخي للظروف الموضوعية للقارة الأوروبية.
في المقابل اعتبر المؤلف أن العلمنة في النهضة العربية إشكالية أكثر منها حدثا، فبينما كانت العلمانية في التاريخ الأوروبي واقعًا وتاريخا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، فإنها في سياقها العربي الحديث إشكالية نظرية وسياسية لم تجد من التحولات التاريخية ما يكفي لتحويلها إلى واقع، ولرفعها من مستوى المطلب والطموح إلى حيز الضرورة الاجتماعية، فتاريخ العلمنة في الشرق ضمن لغة مصطلحات النهضة هو في الغالب وبخلاف تاريخها الأوروبي والغربي تاريخ الفكرة في نشؤها تحت تأثير اصطدام الشرق بالتجربة الغربية، ثم في تطورها النسبي بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجزئية من ناحية.
وفي مناخ سجالها مع السلفيين من جهة ثانية، بل كانت العلمنة في الشرق تعاني باستمرار من أزمة هوية وأزمة لغة وأزمة ثقافية وأزمة علم، وذلك كانت العلمنة في الشرق اجتهادا فلسفيا إصلاحيا بفعل تراكمات الوعي العربي التي بدأت مع الحملة الفرنسية (٨٩٧١ - ١٠٨١) ، ثم فترة النهضة التي بدأها محمد علي في مصر، والأفكار التحديثية التي صاحبت هذه النهضة وانتقلت من مصر لدول عربية أخرى.
وعندما قضى رفاعة رافع الطهطاوي ٥ سنوات في فرنسا عاد بأفكار تتحدث عن التنوير، وهي الكلمة التي استخدمت في هذه المرحلة المبكرة، بدلا من كلمة العلمنة أو العلمانية. واستمرت محاولات التنوير في إطار التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته مصر حتى انقطعت مع تعرض البلاد لفخ الديون، ثم الهيمنة الإنجليزية على مصر، التي قادت بريطانيا في نهاية المطاف إلى احتلال مصر.
وهو الاحتلال الذي ساعد على تقوية الشعور القومي بالتمايز عن الدولة العثمانية، وهو التمايز الذي بدأ مصريا مع ثورة ٩١٩١، ثم تحول إلى شعور قومي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى فترة الخمسينات والستينات التي شهدت سطوة للأفكار القومية العربية، التي قامت أساسا على العلمنة والعلمانية في مواجهة الرجعية المرتبطة بالغرب أو الحركات الدينية ذات الأفكار السلفية.