صعود الدولار وسقوطه ومستقبل النظام النقدي الدولي لم يكن الدولار الأميركي على مدى نصف قرن من الزمن عملة أميركية فحسب، ولكن أيضا عملة عالمية. لقد كان، ولا يزال، عملة التداول العالمية، لكن الدولار الذي »تربّع على عرش العملات العالمية لعقود عديدة عرف في السنوات الأخيرة هزّات عديدة وكبيرة، كما يبدو بوضوح في الانخفاض الكبير في سعره.

هذا وصولاً إلى مطالبة عدة دول »صاعدة« بضرورة إعادة النظر بـ»الدولار« كعملة التبادل الدولي. و»صعود الدولار وسقوطه ومستقبل النظام النقدي الدولي« يمثّل موضوع كتاب »بارّي اشنغرن«، تحت عنوان: »الامتياز المفرط«.

يحتل الدولار الأميركي مكانة مركزية على الساحة المالية العالمية. ويشير المؤلف أن حوالي ثلاثة أرباع الأوراق المالية ذات الفئة مائة دولار يتم تداولها خارج الولايات المتحدة الأميركية. وتبلغ احتياطات الحكومة الصينية بالدولار أكثر من ٠٠٠١ دولار لكل مواطن صيني.

ويشرح المؤلف أن الولايات المتحدة الأميركية تتمتّع بـ»امتيازات كبيرة ؟ كون أن الدولار هو العملة العالمية. الامتياز الكبير يتأتّى من »سهولة« التعامل التي تحظى بها الشركات الأميركية، والأميركيون عامة، في حركتهم ومعاملاتهم التجارية على مختلف مستوياتها. ذلك أنه ليس هناك حاجة بالنسبة لهم للمرور في »دورة الصرف« إلى أية عملة أجنبية أخرى.

وإذا كان الدولار قد واجه الكثير من الشكوك فيما يتعلق بـ»دوره« العالمي بعد اندلاع الأزمة المالية الأخيرة فإن المؤلف يؤكّد أنها لم تكن المرّة الأولى التي يتم فيها طرح مثل تلك الشكوك. ذلك أن أسئلة من نفس الطبيعة كان قد جرى طرحها خلال سنوات السبعينات المنصرمة أثناء انهيار اتفاقيات »بيرتون وودز «.

مع ذلك استمرّت سيطرة الدولار، ولم تتراجع أبدا على الصعيد العالمي. ولا يزال الأفق مفتوحا أمامه، حيث إن نسبة ٥٨ بالمائة من جميع عمليات التبادل التجاري العالمي تجري بالدولار. ولا يزال سعر برميل البترول يتحدد على الصعيد العالمي بالدولار.

ويحدد المؤلف بداية المنافسة الفعلية بينهما خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. ما يتم تأكيده في هذا السياق هو أنه »لا يزال من المبكّر جدا الحديث عن موت الدولار«. لكن المؤلف يولي أهمية خاصة لدراسة »المنافسين الرئيسيين للدولار، أي »اليورو الأوروبي« والـ»يوان« الصيني.

بالنسبة لـ»اليورو« يحدد المؤلف نقاط ضعفه بأنه لا يخضع لرقابة حكومة واحدة ولو كان »يغطي« مجالا اقتصاديا هاما. بالتالي أمامه عدة عقبات كبيرة قبل أن يأخذ موقع الريادة على المستوى النقدي الدولي. أما الـ »يوان« الصيني فهو يعاني من السياسات الحكومية الصينية التي تفرض رقابة صارمة على رؤوس الأموال.

ويشرح المؤلف ان عملة ذات قيمة منخفضة، يحرص عليها قادة الصين من أجل تنشيط الصادرات إلى مختلف أنحاء العالم، لا تستجيب »بالتعريف«، كما يرى، لمستلزمات احتلال موقع »عملة احتياطية« عالمية. وفي محصلة هذه التحليلات يصل إلى القول إنه لم يحن بعد زمن »حذف« الدولار »إلا إذا ضغطت الولايات المتحدة على زرّ تدميرها الذاتي«.

أما المحصلة النهائية لتحليلات هذا الكتاب فتتمثّل في ترقّب المؤلف لقيام عالم جديد متعدد الأقطاب سيؤدي بدوره إلى قيام نظام نقدي دولي يعتمد على »تعددية العملات الصعبة«. وسوف يخلي الدولار بعض المكان لليورو الأوروبي ولليوان الصيني و»احتمالا« للريال البرازيلي. هذا بالاعتماد على تحليل تفصيلي لدور كل دولة من هذه الدول الثلاث.