لعل فن كتابة اليوميات من الفنون الأدبية الشائعة الآن، ويكاد يعتبر من أكثرها انتشارا بعد رواج التقنية الرقمية، واستخدام المدونات. وقد يتميز فن كتابة اليوميات بميزات عدة، منها أنه ليس بالضرورة أن يكون الكاتب من محترفي الإبداع الأدبي، مع عدم الالتزام بحدود مقيدة للكاتب، أو بخصائص فنية محددة للكتابة، كما العروض للشاعر، ثم قد يمارسها أحدهم لرصد تجربة ما تتميز بالقسوة أو الحدة أو الثراء في الأحداث والموضوعات والانطباعات.

من أهم التجارب التي دفعت البعض لكتابة يومياته، التجربة الحربية، ففي الحروب يمكن معايشة كافة الانطباعات والآراء والأحوال وربما الشخصيات أيضا. إضافة إلى الزخم الانفعالي، وتناقض المشاعر والأحوال. ومن المعروف أن النفس البشرية جبلت على حب الحياة، بينما في الحروب تعلو أصوات داعية للمقاتلة، وتدفع الأفراد والجماعات وقيم الانتماء، والدفاع عن العرض والشرف والأرض.

تلك التجربة الحربية، هي التي دفعت حامد حسب أن يسجل يومياته وينشرها حول أحداث معارك مدينة السويس منذ النكسة في العام ٧٦ حتى عبور أكتوبر ٣٧، وما بينها من تجربة حصار المدينة، وانتفاضة أهلها للدفاع عنها، ومنهم الكاتب، الذي لم ينشر غير تلك اليوميات.

ويعتبر الكتاب وثيقة للأجيال القادمة وللتاريخ، حول تفاصيل الأحداث التي لم يتطرق إلا إليها ويعرفها، إلا من خاض التجربة، خصوصا أن الكاتب حدد الفترة من ٥ يونيو ٧٦٩١ حتى ٩٢ يناير ٤٧٩١.

إلا أن الكاتب، لم يعتمد على يومياته وذاكرته فقط، ورجع إلى بعض الكتب المنشورة حول تلك الفترة، ورصد منها ووثق لما يكتب. ومن تلك الكتب: »السويس والمعركة« لمحافظ السويس في تلك الفترة حامد محمود، وكتاب »السويس« وهو دراسة علمية كتبها سبعة من أساتذة الجامعة في تحليل الشخصية في منطقة السويس. كما تلاحظ أيضا مطالعته لبعض الحوارات مع قادة تلك الفترة من عسكريين وسياسيين.

وبدأ الكاتب برصد كل ما تلاحظ له حول استعدادات مدينة السويس للحرب، سواء بفتح مراكز التدريب على حمل واستخدام السلاح، وتوفير مصادر بديلة للطاقة تحسبا لتعرض المدينة للضرب، ومنع مصادر الطاقة التقليدية عنها، خصوصا بالنسبة للمصانع التي ظلت تعمل تحت كل الظروف الطارئة، وأيضا توفير التجهيزات والاستعدادات الطبية اللازمة وغيرها.

وكانت البداية في ١ يونيو٧٦٩١، حيث رصدها يوما بيوم، حتى ٠١ يونيو حيث تاريخ إعلان عبدا لناصر للتنحي عن السلطة، بعد الهزيمة القاسية.

وتجيء أيام تنفيذ القرار السياسي بتهجير سكان السوس ومنطقة خط قناة السويس، وهى التي بدأت في سبتمبر٧٦٩١، وإن تم الاحتفاظ بالحد الأدنى من السكان القادرين على إدارة العمل، وتسيير الحياة للمقيمين، (حيث تحول عدد السكان من ٠٦٢ ألف نسمة إلى ٥١ألف نسمة).

وهو ما نتج عنه نقل ٠٦ ألف طالب وطالبة من مدارس المدينة، إلى الالتحاق بمدارس مدن أخرى، في محافظات أخرى، ولعل أشق القرارات كانت نقل مصانع البترول بالسويس. ثم كانت بداية الاشتباكات عام ٨٦٩١، وهو ما عرف فيما بعد بحرب الاستنزاف، الذي أخذت مراحل، بدأت بما سمي بــ»الردع« أو »الدفاع النشط«. وفي المقابل بدأت إسرائيل في إنشاء خط »بارليف«، على طول خط قناة السويس، والذي قالوا عنه، إنه لن يحطم إلا باستخدام القنبلة الذرية.

وتحدث الكاتب في الفصل الثاني من كتابه، حول تفاصيل حرب الاستنزاف، ولم يكتف بما رصده في يومياته، بل سجل أغلب شهادات وحوارات كبار قادة تلك الفترة، كما انتبه إلى رصد جانب لم يرصده بدقة كل من كتب عن تلك الفترة، ألا وهى الحرب النفسية التي تبناها العدو مع سكان السويس، فضلا عن بقية مدن المنطقة، وسكان مصر كلهم. سواء عن طريق الإذاعات الموجهة أو إلقاء المنشورات، أو ترويج الإشاعات وغير ذلك، وفي المقابل واجه أهل السويس تلك الحروب بمزيد من الإصرار، وهو ما عبر عنه الفن من شعر وغناء.

ويواصل الكتاب أنه بعد عشرين يوما من بداية القتال، في أكتوبر٣٧ تم حصار مدينة السويس بوحدات المدرعات الإسرائيلية، وكانت تلك الفترة المعروفة، بحصار السويس، حيث رصد كم البطولات التي مارسها سكان المدينة من المدنيين، ومنعهم من تقدم العدو، حتى وقف إطلاق النيران بين الطرفين.

السيد نجم

 

 

 

 

 

 

الكتاب: السويس تجربة

مدينة

تأليف: حامد حسب

الناشر: هيئة قصور

الثقافة

القاهرة ٠١٠٢

الصفحات: ٥٠٢ صفحات

القطع: الكبير