شاع الحديث كثيرا عمّا يسمّى بـ«الحلم الأميركي» بتحقيق النجاح الكبير انطلاقا من أدنى الدرجات الاجتماعية. وممن جسّدوا مثل ذلك الحلم الناشر «هنري ليوس» الذي بنى «مملكة إعلامية» انطلاقا من «الصفر». الكاتب والصحفي الأميركي «الان برنكلي» يكرّس كتابا عن سيرة حياة «ليوس» تحت عنوان «الناشر». وهو بالوقت نفسه كتاب عن دوريات صحفية أميركية وصلت سمعتها إلى مختلف أنحاء العالم وعلى رأسها: «التايم» و«فورتون» و«لايف» وغيرها.

وهو كتاب عن الحقبة التي عاش فيها «هنري ليوس» والتي كانت قد شهدت ما عُرف بـ«الكساد الكبير» في مطلع ثلاثينات القرن الماضي. وكان ليوس قد عاصر الحرب العالمية الثانية وكذلك بداية النهوض الأميركي الكبير الذي أعقبها على الصعيد العالمي حيث أن الولايات المتحدة كانت قد خرجت كأكبر المنتصرين في تلك الحرب. ويهتم مؤلف هذا الكتاب بعلاقة «ليوس» مع السياسة، خاصة من خلال القضايا التي حازت اهتمامه وفي مقدمتها «مناهضة الشيوعية» و«الحريات العامة» و«العلاقة مع الصين».

ما يؤكده الان برنكلي هو أن «هنري ليوس» كان محافظا متحمسا على الصعيد السياسي وكان يوجّه الكثير من النقد حيال فرانكلين روزفلت و«مشروعه» الإصلاحي الجديد، خاصة فيما يتعلق بمواقفه حيال الصين. وبعد الإشارة إلى أن ليوس استخدم مواقفه السياسية لتأمين زيادة بيع مطبوعاته، يؤكد مؤلف الكتاب أنه أراد التأثير فيما كان يسميه بـسالقرن» الأميركي و«الطريق الأميركي» في نمط العيش الرغيد. من هنا كان عمله الإعلامي يتركز على مقولة «نشر الديمقراطية في بقية مناطق العالم».

تتمثل إحدى الأفكار التي يتم التأكيد عليها في تحليلات هذا الكتاب بأشكال مختلفة بالقول أن «ليوس» كان مسكونا طيلة حياته بفكرتين أساسيتين. تكمن الأولى في النظر إلى نفسه على أنه كان «عبقري زمانه» بعيدا عن كل تواضع. وينقل عنه المؤلف قوله أنه كان يعتبر نفسه أكثر ذكاء من «انشتاين»، ذلك أنه هو، أي ليوس، يمتلك معارف عامة في شتى الميادين أما انشتاين فهو «مجرّد اختصاصي».

أما الفكرة الثانية فيحددها المؤلف بالقول أن ليوس كان يعتبر نفسه «مكلّفا بمهمة» تتجاوزه. الأمر الذي بدا إلى حد كبير موروثا عن أبويه «المبشرين». على مثل تلك الخلفية كان ينظر إلى جميع الأعمال التي يقوم بها على أنها نوع من السعي لتحقيق أهداف «أعلى». لكن ذلك كله كان يتم التعبير عنه في إطار نزعة واضحة باتجاه «الحداثة» في السياق السياسي للتاريخ الأميركي. بهذا المعني يحرص مؤلف هذا الكتاب على وضع الأحداث التي يتعرّض لها في سياقها التاريخي أيضا.

ويمثل هذا الكتاب في أحد وجوهه تأريخا للتداخل بين عالم الصحافة، وعالم السياسة. ويرى المؤلف أن تميّز هنري ليوس كمُن في فهمه لحقيقة مصالح الطبقات الوسطى والشرائح العليا منها خاصة وما تحتاجه. ثم في استخدامه لذلك «الفهم» في تأسيس «مجلاّت» تستجيب لما كانت تصبو إليه تلك الطبقات التي كانت تتسع دوائرها أكثر فأكثر في الواقع الاجتماعي الأميركي، وخاصة مع «تسارع إيقاع الحياة الحديثة وتعاظم تأميم التجارة وحاجة أبناء الطبقة الوسطى لمعرفة المزيد عما يجري في العالم».

في المحصلة النهائية يصل مؤلف هذا الكتاب إلى اعتبار أن «هنري لويس» يحتل مكانة متميّزة في تاريخ الصحافة العالمية. وهذا ما تتم محاولة التأكيد عليه من موقع المؤرخ لتجربة بدأها صاحباها الرئيسيان، أي ليوس ورفيقه هادن، عندما كان عمر كل منهما ‬24 سنة. لكن على رغم شبابهما الغض وتواضع تجربتهما المهنية في عالم الصحافة امتلكا «الحس السليم» الذي سمح لهما بإدراك أن العالم كان بحاجة لمثل مطبوعتهما «التايم» التي أطلقاها عام ‬1923. لقد جرى تصوّر تلك المجلة «كي تستجيب للعديد من التطورات الاجتماعية الأكثر أهمية في عصرها»، كما ينقل المؤلف عن «هنري ليوس».

 

 

الكتاب: الناشر

تأليف: الان برنكلي

الناشر: كنوبف ــ نيويورك ــ ‬2010

الصفحات: ‬135 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

The publisher

Alan Brinkley

1102 -kroY weN - fponK

.p 531