موريس نادو، هو أحد أشهر علماء الأدب في فرنسا اليوم من موقعه ككاتب وناشر. وقد صدر له قبل أسابيع قليلة، وهو يشارف على المائة عام من العمر، كتاب تحت عنوان «درب الحياة»، الذي يضمّ مجموعة حوارات كان قد أجرتها معه الكاتبة لور ادلر.
وتقول السيدة ادلر في تقديمها لمحاورها بالقول: «موريس رجل ساحر وحالم بلطف ولا يفعل سوى ما يطيب ولا يأسف أبداً لذلك. رغبته هي تلك التي تقوده وحدسه يضيء له الطريق (...)، موريس رجل قارئ، وحياته كصحافي أو كاتب أو ناشر ممهورة بالزهد والتركيز ونسيان الذات من موقعه كقارئ (...)، وموريس هو القارئ الذي عرف كيف جعلنا نتشارك معه بعدد كبير من الاكتشافات بعالم الأدب في القرن العشرين. ذلك عبر نصوص عالمية نشرها أو حللها أو فككها (...)، إنه يسخر من عمر أي كاتب أو من أصوله أو من تاريخه الشخصي. ما يهمه هو النص (...).
وكما يقول في هذه الحوارات، إذا كان يثابر على العيش فهذا يعود لكونه يقرأ». إذا كان موريس نادو قد تحدث عن نفسه في مذكراته التي نشرها سابقاً تحت عنوان: «الفضل يعود لهم» عبر كبار الكتّاب والمبدعين فإنه يتحدث في هذا الكتاب الجديد عن نفسه أيضا ولكن من موقع «الإنسان» وظروف الحياة التي عاشها وتوجهاته السياسية وأسرته وعن قرن كامل من الحياة الأدبية والفنية والثقافية الفرنسية.
ويتحدث موريس نادو طويلاً عن مهنته كـ«ناشر». ويشرح أنه كان من بين أوائل «التروتسكيين» في فرنسا. ومن خلال عمله كصحافي في مجلة «كومبا»، أي المعركة، أراد مع رفاقه اليساريين المتطرفين الآخرين تغيير العالم «بواسطة الأدب». بهذا المعنى كان «النشر» بالنسبة إليه، نوعا من متابعة المعركة بـ«وسائل أخرى». وذلك كتذكير بالجملة الشهيرة التي قالها منظّر الحرب الكبير كلاوزفتس ومفادها أن «السياسة هي متابعة الحرب بوسائل أخرى».
ويشير موريس نادو أن والده كان قد مات في معركة «فردان» الشهيرة بين ألمانيا وفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. كان طفلا عرف الفقر حيث كانت أمه تعمل «خادمة في المنازل» كي تؤمن سبل العيش ونفقات الدراسة التي تجاوز كل مراحلها بنجاح باهر.
لقد أراد «نادو»، كما يقول، المساهمة في تغيير العالم عبر نشر النصوص «الطليعية». وكان أول نصّ قد نشره هو بعنوان: «أيام موتنا» للكاتب دافيد روسيه الذي تعرّض فيه للحياة في معسكرات الاعتقال النازية. ومن خلال النشر عقد مؤلف هذا الكتاب «صداقات» مع كبار أدباء العالم ومبدعيه الذين ليس أقلّهم شأنا «هنري ميلر». وكان «ميلر» قد قدم إلى فرنسا وأقام لفترة مع نادو في منزله وأصبح فيما تلا ذلك ناشر جميع أعماله الجديدة في أوروبا.
ومن الأدباء الكبار الذين يعود «نادو» للحديث عن صداقته معهم «جورج بيريك». ويروي أنه بعد فترة من التعاون الصحفي «الأدبي» بعث «بيريك» الشاب بمخطوط عمله الشهير «الأشياء» الذي وجد فيه الناشر «نادو» عملا يفتح الآفاق نحو عالم جديد «حديث» لكنه وجد بالوقت نفسه أن المؤلف قد قام بما يقترب من «الانتحال» في القسم الثالث من العمل عن رواية «التربية العاطفية» لغوستاف فلوبير. «أقرّ» بيريك بذلك وعدّل النص ليتم نشره لدى دار «جوليا» ويحصل على جائزة «رونودو» الأدبية الشهيرة ويبيع 200000 نسخة.
ويروي موريس نادو، الكثير من الأحداث التي عاشها خلال تجربة النشر الطويلة التي عاشها. وهو يؤكّد عامة أن الكتّاب هم على الأغلب «أقل شأنا» في الحياة الحقيقية مما هم في أعمالهم الأدبية والإبداعية. ويحكي أن الروائي الشهير اليوم «ميشيل هولبويك» كان قد قال له في لقائهما الأول: «لقد نشرت عمل بيريك وأنا بيريك الجديد». أجاب نادو:
«أولا أنت لست بيريك، وثانيا أن بيريك قد نال شهرة كبيرة بعد موته وأنت لم تمت بعد». ويشير «نادو» أنه، رغم إعجابه بما كتبه هولبويك، أحسّ أن إفلاسه المالي قد يكون مصدره نشر أعماله. لقد قرر عدم النشر إذن ففوجئ ذات يوم بزوجة الكاتب في مكتبه حيث قالت له: «من العار عدم نشر العمل».
وكان النشر، والنجاح. وفي معرض الحديث عن ممارسة القراءة يؤكد موريس نادو أنه لها «طقوسها» وأنها تستجيب لحالات نفسية محددة لدى القارئ. هكذا مثلا يقول أنه عندما يكون هو نفسه بحالة نفسية جيّدة يقرأ أعمال «مونتين». أما عندما يكون في حالة نفسية سيئة فكاتبه المفضّل هو «فرانز كافكا». كما يشير أنه تعوّد قراءات أعمال «غوستاف فلوبير» مرّة بعد مرّة ــ كان قد نشر أعماله الكاملة في سنوات الستينات المنصرمة-، ويقرأ خاصة «مراسلاته».
ذلك أن فلوبير «الإنسان» هو الذي يؤثر فيه وليس «مدام بوفاري»، رائعته الأدبية الشهيرة. ويصف المؤلف فلوبير بـ«الزاهد» الذي لا يهتم بالمال وبـ«البورجوازي» الذي كان من «أكبر أعداء» البورجوازية في عصره وحيث أن أعماله الأدبية تمثل «تخريبا» حقيقيا للذهنية البورجوازية. ومثلما كان فلوبير قد قال: «مدام بوفاري»، هي أنا،يقول نادو ما مفاده: فلوبير، هو أنا. المهم برأيه هو أن يعرف الإنسان كيف يأخذ من الحياة ما يريد، ثم «يلقي الباقي» جانبا.
الكتاب: درب الحياة
تأليف: موريس نادو
الناشر: فيردييه ــ باريس ــ 2011
الصفحات: 160 صفحة
القطع: المتوسط
Le chemin de la vie
Maurice Nadeau
Verdier - Paris- 2011
160 .p