كان الكاتب الاسباني الكبير «سرفانتس» قد ترك للبشرية عمله الشهير «دونكيشوت»، والصحفي الفرنسي هوبير ارتو «يلعب على الكلمات» ويستخدم هذا العنوان بعد تحريفه كي يصبح «دونكيفوت».
يلقي المؤلف الضوء على ثلاثة قرون أخيرة كانت قد عرفت فيها، إلى هذه الدرجة أو تلك، كرة القدم. في القرن التاسع عشر كانت لعبة «أرستقراطية» من حيث جمهور حضور مبارياتها كي تتحوّل شيئا فشيئا إلى لعبة شعبية بامتياز. أما في القرن العشرين فقد بدأ الحديث عن «كرة القدم التجارية ــ البزنس» التي انفصلت من حيث أدواتها وتجهيزاتها وصورتها الاجتماعية عن «أصولها» الأولى.
يبحث المؤلف في «وزن التاريخ» بعالم «يتقاسم النفوذ فيه 22 لاعبا». ويحاول أن يبيّن دور السياسة والمال والجنس والحرب والمشاعر الوطنية. هذا إلى جانب تقديم معلومات محددة ودقيقة عن المسيرة الحياتية والرياضية لأسماء كبيرة لمعت في سماء كرة القدم، وليس أقلّها أهمية بيليه ومارادونا وزيدان وغيرهم. ومعلومات أيضا عن نوادي «برشلونة» و«اجاكس» و«ريال مدريد» و«مانشستر يونايتد» وغيرها.
إن كرة القدم تبدو في مجمل المواضيع المطروحة في هذا الكتاب بمثابة حركة مستمرة بين الأقدام والعقل. وكذلك علاقة موازية بين «عالم الملاعب الصغير» و«العالم الكوني» الكبير. كما يؤكد المؤلف أنه كان دائما للكرة المستديرة روابط مع الحروب والنضال ضد الاستعمار وضد العبودية، ومع تنامي النزعات القومية والوطنية حيث تلتف الأمم والبلدان حول فرقها لكرة القدم.
هذا دون نسيان العلاقة بين كرة القدم والنزعات العنصرية أو مناهضة هذه النزعات. هكذا شكّل المعتقلون السود في جنوب إفريقيا أثنــــاء حكم التمييز العنصري الأســـود فرقا رياضيـــة داخـــل سجونهم، بل وقامـــوا بتنظيــــم أكثر من «دوري». كان نلســـون مانديــلا، السجين آنذاك، يكتفي رغما عنه بدور «المشاهد» من وراء قضبان تفصل موقع سجنه عن «أرض الملعب».
وأقامت كرة القدم أيضا علاقات وثيقة دائما مع عالم الأدب والأدباء. ولم يتردد «ألبير كامو» صاحب رواية «الغريب» الشهيرة في القول: «إن القليل من الأخلاق الذي أعرفه تعلمته على ملاعب كرة القدم ومن خشبات المسرح، فهذه وتلك تبقى هي الجامعات الحقيقية التي درست فيها».
ولا يـــتردد مؤلف هذا الكتاب بالتأكيد أن أول مــــن أشار بين كبار المثقفين الأوروبيين لأهميــــة «كرة القدم» وعلى مدى عمق انتشارهــــا وتأثيرهــــا هو المفكر الإيطالي الشهير «انطونيو غرامشي»، المنظّر الماركسي المعروف بصاحب نظرية «المثقف العضوي».
إن «غرامشي» أبدى اهتماما وتشجيعا كبيرين لكرة القدم بعيدا عن تلك الأصوات العديدة التي كانت تعتبر أنها «تخدّر» إحساس الجماهير وتلهيهم عن الاهتمام بالقضايا الكبرى. وينقــــل المؤلــــف عن المفكــــّر الإيطــــالي قوله ان تلك الرياضة هي «مملكة الاستقامة الإنسانيـــة التي تتــــــم ممارستهــــا في الهــــواء الطلق». وما يؤكده غرامشي أيضا هو أن كرة القدم ليست «سيئة» بطبيعتهـــــا، لكن المجتمعات هي التي «تفسدها».
ومن الميزات التي يتم التأكيد عليها لدى لاعبي كرة القدم الكبار «الكرم» في السلوك. ويسوق المؤلف عددا من الأمثلة على ذلك في رأسها ما فعله «الملك بيليه»، المعروف أيضا بـ«الجوهرة السوداء» الذي تخلّى لمدة فصل كامل عن مرتبه الشهري من أجل مساعدة النادي الذي كان يلعب معه «سانتوس» البرازيلي الذي كان يعاني من مشاكل مالية.
مثل تلك الشخصيات الكرويـــة الكبيرة يقابلهــــا اليوم شخصيات «كاريكاتورية»، حسب تعريــــف المؤلــــف، بحيث لا يهمها سوى الربح المادي بالدرجة الأولى، وذلك في مواكبـــة رياضة كرة القدم نفسها التي تحوّلت إلى «صناعة» و«تجـــارة» و«تسويق».
تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن كرة القدم تمتعت دائما بنفس أخلاقيات حقبتها الزمنية. هكذا اتسمت بالنخبوية في القرن التاسع عشر، وبالنضال من أجل الاستقلال، ومواكبة الصراعات من أجل الهوية في القرن العشرين كي ترسو على شاطئ «البزنس الكوني» في القرن الحادي والعشرين.
الكتاب: دونكيفوت .. قاموس تاريخي وسياسي لكرة القدم
تأليف: هوبير ارتو
الناشر: دونكيشوت ــ باريس ــ 2011
الصفحات: 494 صفحة
القطع: المتوسط
Don qui foot
Hubert Artus
Don Quichotte - Paris- 2011
494 .p