الإسلاميون المستقلون الهوية والسؤال، هو أحد مؤلفات الكاتب محمد حافظ دياب، وتتمحور فكرته حول تفاصيل الخطاب الإسلامي المعاصر المستقل، فمع تصاعد الخطاب الإسلامي في مصر منذ السبعينات، مثَل خطاب الإسلاميين المستقلين واحدًا من أهم روافده، ولا يركز الكتاب على الخطاب في حد ذاته، ولكن على الظروف والعوامل التي هيأت لظهوره، وكذلك التعرض لتركيبته الداخلية، وأهم رموزه وفرضياته.
وذلك بعد التعرض لأهدافه المعلنة، فضلاً عن التحليل النقدي للعلاقة بين الممارسة الخطابية والسياق المجتمعي في خطاب جماعة الإسلاميين المستقلين في مصر، خاصة في إطار محاولات الإسلاميين المستقلين للاستحداث السلفي، أو بمعنى آخر محاولة ملاءمة الواقع ومتغيراته بالنص وثوابته.
ويتعرض المؤلف لمسيرة وحياة عينة مختارة من أعمال الإسلاميين المستقلين وكتبهم، وأولهم الدكتور أحمد كمال أبو المجد، والمستشار طارق البشري، ومحمد سليم العوا، والكاتب الصحافي فهمي هويدي.
ويرى الكاتب أن هؤلاء يمكن اعتبارهم تجديديين أو غير تقليديين، لأنهم قدموا للإسلام تفسيراً يقوم على تأكيد العقلانية والثورة على الظلم واحترام الحرية، وفتح الأبواب أمام حقول معرفية مستحدثة حول التراث، ولذا فهم على المستوى الفكري في أقرب مسافة من المرجعية الكبرى وهو الشيخ القرضاوي. يتناول المؤلف مسألة «البحث في المناهج» التي قاربت الخطاب الإسلامي المستقل وهي:
«المنهج النصي الأصولي»، الذي يركز على دراسة البنى الداخلية للخطاب الإسلامي، اعتبارا من خصوصية هذا الخطاب التي تكمن في بنيته أو صياغته في الأساس، و«المنهج السياقي»، ويعتمد على تحليل البنى الداخلية للخطاب الإسلامي، بهدف استخلاص دلالته العامة وتفسيرها وتقويمها في إطار السياق التاريخي والاجتماعي، على اعتبار أن هذا الخطاب لا يكتسب معناه إلا من داخل مشاركة جماعية.
ويتعرض ثانيًا للتحليل النقدي للخطاب، بمعنى ضرورة الأخذ في الاعتبار جملة المعطيات الاجتماعية، التي صاحبت الخطاب في إطار تاريخي محدد، على أساس أن ربط الخطاب بمجتمعه وتاريخه يسقط وهم معرفته الشكلية.
يتعرض المؤلف لتحولات الواقع المصري، من خلال التعرض للشروط المادية والفكرية التي ساهمت في إنتاج هذا الخطاب، ففي أواخر السبعينات كان قطاع كبير قد كون مجتمعا مضادا بعدما فقدوا أي أمل في الأنظمة، وكان خطابهم يرتكز على مفاهيم العزلة والتكفير والهجرة والشورى لا الديمقراطية، عبر العديد من النشرات والكتب والفتاوى والمخطوطات مثل رسالة الإيمان وفلسفة المواجهة والطائفة الممتنعة لشكري مصطفى.
وفي هذه الفترة كان المشهد السياسي يتسم بغياب المشروع القومي، وتكريس الديمقراطية الشكلية وشيوع الخلل وتنامي العنف مع رصاصات الإسلامبولي التي وجهت نحو السادات فأفسحت المجال لظهور العنف المسلح، وتنامي صراع النصوص والخلاف حول دلالات المصطلح الإسلامي، مما حدا بالتيار المستقل للظهور والتمايز الذي كان معناه الأساسي هو الاعتدال والرشد والائتلاف أمام التطرف والراديكالية وجماعات العنف.
حيث وصفهم العوا بالقلة الإجرامية وأحمد كمال أبو المجد بالمغالين، وهو يراهم نقلاً عن الكتاب نفراً من الأشرار الذين يسمون بالأصوليين الإسلاميين فهم خليط من المتهورين ومحدودي الفهم والحمقى وفكرهم يمثل انحرافا على الخطاب الإسلامي العام. وفي هذا محاولة من الإسلاميين المستقلين للبحث عن التمايز. ثم يتناول المؤلف بالشرح «المجال النوعي للخطاب»، ويركز على أربعة أنواع من الخطاب منها خطاب الإسلام الراديكالي،.
وخطاب اليسار الإسلامي كحسن حنفي وأحمد خلف وفتحي عثمان ورضا محرم، خطاب أسلمة المعرفة، خطاب الإسلام التأويلي، وهو الخطاب الذي أثار جدالا حاداً وصل إلى إدانة صاحبه، واتهامه بالردة وهو نصر حامد أبو زيد. يركز المؤلف على الواقع الاجتماعي وخطاب الإسلاميين الراهن، الذي انعكس بدوره على بعض المواقف والرهانات.
حيث يتناول أولاً «الموقف من التراث» مفهوما ورؤية واستلهامًا، حيث حاول الإسلاميون المستقلون إعادة استثمار التراث وإعادة التوازن بين النص والاجتهاد أو المواءمة بين التقليد وحاجات العصر. ثم «الموقف من التاريخ» كطرق تدوينه ومساعي خصوصيته ووعيه بالزمن، و«الموقف من الآخر».
وخاصة ما يتعلق بالغرب والأقباط والعلمانيين، و«الموقف من الجماهير» حول قضايا الديمقراطية والمرأة والثروة. ولكن في نهاية المواقف والرهانات، فإن غالبية الإسلاميين كعبد الوهاب المسيري يرفضون أي شكل من أشكال العلمانية.
يتناول المؤلف الجهاز المفاهيمي للخطاب الإسلامي المستقل، ومن أهم المفاهيم التي يتولى هذا الخطاب استدعاءها من أجل استنطاق مواقفه: (الاستبدال، التعميم، المناقضة، الإدراج، الأبعاد، إعادة الإنتاج، المزاوجة المفاهيمية، المقابلة اللفظية).
فضلاً عن أدواته المنهجية بهدف توجيه فهم المتلقي، وإحالاته المرجعية، وهي بمثابة المصادر التي تحكمت في إنتاج المفاهيم وتوظيفها الأدوات المنهجية بواسطة استدعاء حجج نصية سابقة، تأكيدا لفكرة أو تعميقا لرؤية.
يحدد الكتاب ثلاثة أساليب رئيسية للمخاطبة هي الاستبعاد والتحديد والتحوير كما حددها ميشيل فوكو. ويذكر أن «الاستبعاد» هو الأكثر تداولاً ويقوم على مراقبة الخطاب، واختياره، وتنظيمه، وإعادة توزيعه، وأحيانًا مصادرته، بهدف الحد من سلطاته.
أما «أسلوب التحديد»، فيقوم على تأمين مسار الخطاب بين صيغتين على مستوى الحاضر: وصيغة الثورة الإيرانية وعمادها البازار وآيات الله، وصيغة الثورة الخليجية القائمة على الريع والرؤى المحافظة للشريعة. ويقوم الأسلوب الثالث على «التلوين»، بمعنى تراوح نبرة الكتابة ما بين الشدة واللين.
وفي الجزء الثاني من الفصل يتعرض الكاتب لديناميات التلقي، بمعنى، الآليات الفاعلة للتخاطب، وهي اللغة (الصيغ اللغوية التي يتعاطاها أعضاؤها)، والوعاء (محاولة توظيف الصحافة المكتوبة كأداة للتعبير لتكوين نواة رأي عام)، والجماعة (مشاركة الجماهير، وقد يكون هذا الجمهور الجيل الجديد من المسلمين كما يقول أبو المجد، أو القطاع غير المنظم وغير المسيس المتمثل في جموع المتدينين النامية لدى هويدي).
الكتاب: الإسلاميون المستقلون الهوية والسؤال
تأليف: محمد حافظ دياب
الناشر: المجلس الأعلى للصحافة 2010
الصفحات: 211 صفحة