يقدم كتاب «الهوية والهويات» تحليلاً فلسفياً واجتماعياً وعلمياً ونفسياً لما تعنيه الهوية اليوم بالنسبة للفرد والمجتمع، وحسب الكتاب تشمل دراسة الهوية، والهويات عموماً على ثلاثة مستويات داخل الهوية:

يتعلق المستوى الأول منهما بالفرد أو الذات، لأن الهوية أول ما تتشكل مع الفرد في مرحلة الطفولة والمراهقة، وهي المرحلة التي يحاول الفرد فيها تأكيد ذاته ورسم صورة اجتماعية عن أفعاله وعقائده، التي أخذ يكونها شيئاً فشيئاً.

حيث ينشأ الفرد عبر تأكيد «دور مركزي للذات»، محاولاً أن ينسب لشخص عدد من القيم والصفات الاجتماعية، ويبدأ بنسبها لنفسه لتتحول تدريجياً إلى جزء أساسي من ذاته، بل إنه لا يتعرف على ذاته إلا من خلالها.

وهذا ما يسمى بـالطِباع، فالهوية تتشكل عبر مجموعة من الطباع التي يكونها الفرد أثناء نموه النفسي والاجتماعي. أما المستوى الثاني الذي يتناول الكتاب من خلاله الهوية فهو «الزمرة أو المجموعة الاجتماعية»، التي يتكون الفرد عبر علاقاته معها.

والزمر التي تحيط بالإنسان كثيرة، فهناك: العائلة، والجماعة المهنية، والطبقة، والجماعة الدينية، وجماعة الهويات، والطائفة، والعشيرة. أما الأساس النفسي الذي يكوِّن على قاعدته الفرد هوية زمرية فيعود إلى «النحن المثالية»، التي تعني أن الاتحاد في مجموعة يعطي الفرد قوة.

وميزة الزمرة أنها جماعة يجد الفرد من السهل الاعتماد عليها، وهذا ما يدفعه إلى التساهل مع التأثير الكبير، الذي تمارسه على أفكاره ومبادئه وتصوره عن حياته، ولذلك نجد أن الأسلوب الذي يتعامل الفرد فيه مع الزمرة التي ينتمي إليها هو «الامتثال والخضوع».

أما أهم أسلوب تلجأ إليه الزمرة لدفع الفرد إلى الامتثال لقيمها فهو المديح وتقديم المنافع، بحيث لا يعود الفرد يأخذ قراراً فردياً بقدر ما يأخذ قراراً اجتماعياً يحوز على مديح الأغلبية.أما المستوى الثالث لدراسة الهوية فهو الهويات الوطنية والقومية والإنسانية والسياسية، وما يرافق هذه الهويات من جدال حول الهويات وعلاقتها بالأمة والأثنية والجماعات المهاجرة.

فالانتماء الإثني أو القومي، غالباً ما يستخدم من قبل الأحزاب والمؤسسات لتشكيل الأحزاب السياسية بغية الاستيلاء على السلطة.وترى كاترين آلبيرن في هذا السياق، أن مفهوم الهوية الذي انتشر بكثافة خلال الستينات هو انعكاس لتنامي «قوة الأقليات»، وكذلك لميل الحداثة القوية لتأكيد الفرد. الأمر الذي دفع البعض إلى القول إننا نعيش اليوم «انعطافاً هوياتياً»، يتمثل في المشقة التي يعانيها الفرد حتى يتمكن من تشكيل هوية ما.

ويطرح الكتاب السؤال الفلسفي عن الهوية، ليجد أن الأمر الذي يساعد الإنسان على أن يكون هو هو على مر الزمان هو الذاكرة، لأنها هي التي تبقي على استمرار هويتنا الخاصة، التي هي أول معطى لصلتنا بالعالم والوجود. ولذلك يقترح الخروج من حالة (الذاكرة الكاميرا)، لأن حياة الإنسان ووعيه تختلف عن «بصمته الجنينية» التي لا تتغير ولا تتبدل على مر الزمان.

وفي تحليله للعلاقة بين الهويات والأثنية يجد برنار فورموزو أن اتجاه الهويات نحو الأثنية والاعتزاز بها سيتقوى، لأن الإحساس بالمخاطر السياسية الهائلة، والمخاوف من ذوبان الهويات التي تطرحها العولمة، تبلغ حداً من القوة بحيث تولد ارتدادات محافظة، رغم أن العالم يتجه حالياً عن طريق العولمة الاقتصادية صوب تجانس الثقافات.

أما بيير مليزا فيناقش العلاقة بين الهوية والهجرة، إذ يجد أنه رغم أن الهجرات الحديثة باتجاه فرنسا عمرها أكثر من قرن، إلا أنه لم يحدث اندماج بالنسبة لموجات الواصلين، دون أن يعني ذلك وجود حالات من الانسجام بين المهاجرين والسكان الأصليين. وتعود مشكلة المهاجرين أنهم يتركزون في ضواحي معينة من المدن، مما يزيد في تعلقهم بخصوصيتهم وتراجع قدرتهم على الاندماج.

أما ميشيل ويفيوركا فيجد أثناء مناقشته للعلاقة بين الهوية والثقافة والديمقراطية، أن العولمة هي عملية تجانس ثقافي، الأمر الذي أدى إلى ظهور مسألة «التعددية الثقافية» في إطار الدولة الأمة، ولذلك فإن هذا التنوع يجب أن لا يخشى من توسع الثقافة الأمريكية، التي تمارس تأثيراً ولكنها لا تحتكر الثقافة.

الكتاب: الهوية والهويات

تحرير: كاترين آلبيرن وجان كلود بوربالان

ترجمة: إياس حسن

الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق ‬2010

الصفحات: ‬447 صفحة

القطع: الكبير