يشكّل موضوع الفساد أحد الموضوعات التي تقفز إلى مقدمة الاهتمام في النقاشات الدائرة في الغرب وفي الشرق اليوم. وتغدو هذه الظاهرة أكثر خطورة عندما تصل إلى أجهزة الشرطة، المكلّفة حكما بمحاربة الفساد.

لكن ظاهرة الفساد ليست جديدة وليست حكرا على الحقبة المعاصرة بل لها جذورها وتجلياتها السابقة. هذا ما يحاول أن يبرهن عليه الباحث الفرنسي «روبير موشمليد»، بكتابه الصادر قبل أسابيع قليلة تحت عنوان «فاسدو عصر التنوير».

«عصر التنوير» الفرنسي ساد في القرن الثامن عشر. ومن الشائع القول بأن العاصمة الفرنسية باريس عرفت آنذاك «أفضل جهاز شرطة في العالم». لكن هذا لا يمنع واقع أن مفتش الشرطة «جان باتيست مونييه» الذي اغتيل عام ‬1757، كان في قلب شبكة من الفساد والفاسدين.

يمثل جان باتيست مونييه «شخصية مركزية» في الكتاب، ولا يتردد المؤلف بوصفه أنه «حرباء عصر التنوير». ذلك على قاعدة ما ظهر من سلوكيات.

يكتب: «إن ذلك الذي أطلق على نفسه بالتتالي تسميات جان باتيست مونييه وانطوان مونييه دو بريكور وفرانسوا دوهاميل، وكومت دوبريكور، هو حرباء حقيقية لعصر التنوير».

ويضيف: «إنه شرطي ومحتال وعميل سري مستعد على تأجير خدماته لمن يدفع له أكثر، وهو بائع للنفوس في روسيا ومرتزق في بولندة، كما أنه باستمرار مثل الزئبق ولا أحد يعرف كيف سيتصرّف». لكن رغم هذه الصفات كلها كان يحرص على تقديم نفسه كـ«رجل مثالي» عندما يريد «السيطرة على محدثيه».

ويحدد المؤلف أن شرطة لويس الخامس عشر قامت برقابة أولئك الذين كانوا تتلقى الأوامر بمراقبتهم. لكن تلك الشرطة كانت تعكس بسلوكياتها صورة مجتمع «في حالة إفلاس فكري وأخلاقي كامل». ويرى المؤلف أن طبقة النبلاء كانت أحد عوامل التردّي العام. ذلك أنها انتقلت من ساحات المعارك إلى غرف النوم».

ويرى المؤلف أنه إذا كانت فرنسا في ظل لويس الخامس عشر قد اشتهرت بفكرها ولغتها وثقافتها، فإنها كانت أيضا بالوقت نفسه «رمزا للفجور والفسق والإخلال بواجب الوظيفة». وأجهزة الشرطة قامت أثناء ذلك، بأوامر من شخص استطاع بمهارته أن يخلط جميع الأوراق، بكل الممارسات التي قد تسمح بمعرفة كل شيء عن كل فرنسي ومن هو ومن أين أتى؟

كما قامت بإعداد قوائم لجميع «الشخصيات الكبرى» و«الشخصيات الطفيلية والمجرمين». «كل شيء كان قابلا للشراء، وكل شيء قابل للبيع»، كما يلخّص المؤلف القول.

ويشرح المؤلف كيف أن شرطة لويس الخامس عشر «جلدت» فولتير، و«سخرت» من جان جاك روسو، و«اعتبرت» ديدرو، صاحب الموسوعة، رجلا خطيرا. باختصار كانت تشدد الرقابة على الجميع من أجل «استثمار» ما تجمعه من معلومات.

وكانت «عملتها» المفضلة في التداول هي «أسرار المدينة»، باريس. ولم تتردد أبدا في استخدام جميع الأوراق وجميع البشر وصولا إلى «المومسات». يقول المؤلف: «إن تلك المنظومة أنتجت وحوشا مفترسة انقلبوا على أسيادهم على خلفية معرفتهم بحالة التعفن العام الذي كان يحيط بهم».