يشير مؤلف كتاب «سقوط الدولة البوليسية في تونس» إلى أن الإرهاب البوليسي الشديد الفظاعة قد قاد إلى إخماد كل حياة ثقافية وسياسية وفكرية للمعارضين التونسيين الفعليين، سواء أكانت سرية أم علنية.
ويرى أن الثورة التونسية قد فاجأت العالم العربي والعالم كله باعتبار أنها قد انطلقت من تلك المحافظات المهمشة والنائية (سيدي أبوزيد، القصرين) وانتشرت إلى باقي المناطق التونسية وان الثورة التونسية قد جاءت كرد موضوعي على واقع الفساد والقمع المعمم على الشعب التونسي على عقود متتالية.
يذكر المؤلف أن صعود زين العابدين بن علي إلى الرئاسة التونسية عن طريق مؤسسة الجيش دون أن يحمل حتى شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) وان هذا قد اثر على نفسيته وتكوينه الفكري والسياسي لجهة عدم قدرته على استيعاب وفهم التيارات الأيديولوجية والسياسية المعاصرة،.
والصراع الثقافي والفكري في المجتمع، وكون الفكر مرشداً للعمل وموجهاً للممارسة، ولجهة عدائه الشديد للمذهب العقلاني على الصعيد المعرفي والفكري، وقضايا حقوق الإنسان، ومسألة الديمقراطية في الواقع التونسي والعربي على الصعيد السياسي.
ان الإعلام التونسي التابع للنظام البوليسي، كان ينشر ويذيع على نحو موسع تقارير محاكمة الإسلاميين الأصوليين، وينبه العالم إلى أخطار «الإرهاب الأصولي» وكان إنتاج هذا الإعلام المزيف بدون انقطاع يستهدف إحداث العزلة بين الناس بعضهم عن بعض أولاً.
وإحداث عزلة بين حركة النهضة الإسلامية وباقي الأحزاب السياسية المعارضة ثانيا، وتلك كانت بداية الإرهاب البوليسي والعزلة هي الأرض الخصبة، التي ينمو فيها الإرهاب وتكون دائماً سابقة لإقامة الدولة البوليسية.
يشكل إسقاط الدولة البوليسية التونسية قطيعة معرفية ومنهجية وفكرية وسياسية وأخلاقية مع عالم الاستبداد ومنطقه وفكره وسياساته وأخلاقه، لكننا في الوقت عينه لا يجوز الاكتفاء بهذا الإسقاط على الرغم من ضرورته، بل إن المطلوب من المعارضة الديمقراطية أن تقدم تصوراً حديثاً لعملية الانتقال إلى بناء نظام ديموقراطي جديد في تونس يمنع العودة إلى دوامة التسلط البوليسي من جديد، ولا يسمح بإعادة إنتاجه.
حيث أمر الخروج من عالم الاستبداد يقتضي تحولاً جذرياً في الوعي والممارسة، وكلما كان هذا التصور المنشود إنسانياً وديمقراطياً كان مناوئاً للعنف بجميع صوره وأشكاله ودرجاته.
الكتاب: سقوط الدولة البوليسية في تونس
تأليف: توفيق المديني
الناشر: الدار العربية للعلوم
الصفحات: 303 صفحات
القطع: الكبير