يصنف كتاب (السيرة الذاتية) لمؤلفيه الكاتبان بهيجة مصري ادلبي وعامر الدبك أن ما كتبه ابن خلدون وأبوحيان التوحيــــدي وابن حزم، وغيرهم ضمن أدب السيرة الذاتية العربية، فالمهم أن هذا الأدب أخذ رواجاً متميزاً في الأدب العربي شأنه شأن الأجناس الأدبية التي جاءتنا من الغرب وازدهرت ازدهاراً متميزاً في المجتمع العربي،.
وهو يتميز بأن كاتبه يكشف عن خبايا نفسية ويعرض حياته وتربيته وأساليب تعامله وما اعترى حياته من تجارب وخبرات وذكريات وممارسات، وما واجهه من متاعب وما صادفه من مواقف طريفة ومثيرة.
يعتبر المؤلفان أن كتاب (الأيام) كان أثره في الأدب العربي الحديث أشبه بأثر اعترافات جان جاك روسو في الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، إذ وضع حجر الزاوية لجنس أدبي جديد، هو ما يسمّى اصطلاحاً «سيرة ذاتية»، ومنذ ظهور (الأيام)، بدأت تظهر مجموعة من النصوص في السيرة الذاتية ظهوراً محتشماً.
وقد صار التأثير متبادلاً بين السرد الروائي والسرد السير ذاتي، فالرواية أخذت من السيرة الحديث عن الذات وكشف جوانب مختلفة منها، والسيرة أخذت من الرواية تقنياتها السردية في طريقة عرضها، وبنتيجة هذا التأثير المتبادل ظهرت لدينا السيرة الذاتية الروائية ورواية السيرة الذاتية.
وعن أدب السيرة الذاتية والحدود الفاصلة بينها وبين غيرها من الأشكال، نجد أنها تختلف عن المذكرات أو اليوميات، لأن الزمن أكثر شساعة في السيرة الذاتية منه في اليوميات، فاليوميات تتصل بالماضي، أمّا السيرة الذاتية، فإنّ المسافة الزمنية التي تفصل زمن الكتابة وزمن التجربة تكون أوسع. إذاً فالسيرة الذاتية يمكن تعريفها بأنها (حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص والعام بشكل مباشر أو غير مباشر، متوخياً الحق والصدق).
ولكن ليس هناك سيرة ذاتية كاملة الصدق، وليس هناك سيرة ذاتيـــة تقـــول الحقيـقــــة، وإنما لا بد للكاتب من أن ينتقي ويحـــذف بعض الأشيـــاء، التي ربمـــا لا علاقـــــة لها بالمسموح والممنـــوع الاجتماعي، وإنما لها علاقة بالمسموح والممنوع الداخلي المترسخ في أعماق ذات الكاتب.
إنّ فعل الكتابة في السيرة الذاتية هو فعل استحضار للذكريات واستـــعادة لماضـــي بعيد، وهـــو فعــل عسير .
ولكنه يبعث ضربـــاً من اللذة الفنيــــة، حيث يقــــف الكاتب في لحظة الحاضر ليستحضر الماضي من خلال تفعيل الذاكرة التي تعيد تشكيل الزمن الماضي في الحاضر، زمن الكتابـــة، فإذا به يحملــــه الحنين إلى تلك اللحظـــــات التي تشكل عالم الطفولة.. رمز السعادة والبراءة. وثمة دافع آخر؛ إنه النرجسيــــة التي يظهــرهــــا الكتاب في أعمالهم السير ذاتية وهــــم يرسمـون شخصياتهم الذاتية وكأن في ذلك تعويضاً عن زمن مضى.
الكتاب: السيرة الذاتية في الخطاب الروائي العربي
تأليف: بهيجة مصري ادلبي وعامر الدبك
الناشر: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع ــ عمان ــ الأردن
2011 الصفحات: 192 صفحة
القطع: الكبير