يرى مؤلف الكتاب، حافظ أبو سعدة، أن أهمية دراسته وأبحاثه في صلب مفهوم وانعكاسات وآثار العولمة، تنبع من حيوية وقوة العلاقة بين العولمة وحقوق الإنسان.
وهو موضوع غاية في الأهمية وخاصة على الصعيد السياسي الداخلي، وهنا يطرح مشكلة أساسية يسعى لحلها، وهي أنه مع بروز فكرة العولمة على الساحة الدولية فإن بعض الأصوات تحدثت عنها باعتبارها تمهيداً لبعض النظم، في حين أعتبرها آخرون مكسبًا لا بد من اغتنامه.
ويحاول المؤلف من خلال الكتاب الإجابة على عدد من الأسئلة المرتبطة بمشكلة بحثه، وهذه الأسئلة هي: ما هي العولمة؟ وما المقصود بحقوق الإنسان؟ وما هي العولمة الاقتصادية؟ وأيضاً ما هي أثار العولمة على التجارة في السلع؟
وهل يمكن أن يتعارض حظر التمييز في مجال حقوق الإنسان مع حظر التمييز في القانون الدولي؟ وهل يمكن أن تمثل الاستثناءات العامة الواردة في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية آلية للتوفيق بين أهداف نظام التجارة المتعدد الأطراف وأهداف حقوق الإنسان؟
ويوضح أبو سعدة أن العولمة، شأنها شأن كل المفاهيم في حقل العلوم الاجتماعية، لا يوجد لها تعريف مانع جامع، فبالرغم من أنها من أكثر المفاهيم شيوعاً في التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذا المفهوم لا يعد جديداً أو يتضمن ظواهر جديدة،.
فالعولمة لم تحدث فجأة بل لها جذورها التاريخية ومقدماتها الموضوعية، خاصة تلك التي ظهرت مع بداية الربع الأخير من القرن العشرين، وارتبطت بالثورة الصناعية الثالثة.
ويعرض المؤلف لعدة تعريفات للعولمة، أشهرها ما قدمه فرانسيسكو فوكاياما صاحب كتاب«نهاية التاريخ» الذي اعتبر العولمة وسيلة لهيمنة القيم الأميركية على العالم.
كما اعتبر بريجسنكي العولمة نوعا من العمل يقصد به إشاعة نمط أو نموذج معين على الصعيد العالمي، بينما عرفها توماس فريدمان بأنها التكامل بين الأسواق والتمويل وتطور التكنولوجيا على نحو يقلص العالم من حجمه مما يجعل كل منا قادراً على الوصول إلى مواقع أبعد حول العالم.
ويبين مؤلف اكتاب، انه حاول مفكرون عرب تقديم تعريفات للعولمة، فوصفها محمد بن الجابري بأنها إرادة الهيمنة وهي بالتالي قمع إقصاء للخصوصية، أما إسماعيل صبري عبدالله فرأى أن العولمة هي التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة،.
وعرفها خالد الحروب بأنها عبارة عن نظام عالمي يقوم على تحرير الأسواق والفضائيات الاقتصادية والتبادل التجاري والمالي وحتى تبادل الخدمات، بالإضافة إلى الاختراق المتواتر للخصوصيات والحدود الثقافية والقيمية والجغرافية والسياسية.
كما يعرض الكتاب لإيجابيات وسلبيات العولمة، فبينما يرى أنصار العولمة أنها أدت إلى رفع كفاءة التوظيف واستخدام الموارد عالمياً وإلى زيادة كبيرة في فرص العمل المتاحة مع توسيع وتعميق الاستفادة من التطورات التقنية الحديثة، فإن خصوم العولمة يرون أنها ارتبطت بعدد من السلبيات والمخاطر، أبرزها تزايد تبعية الاقتصاد العالمي.
وإضعاف الأمن الاقتصادي للدول، واتساع تفاوت الدخول وتزايد الثروة بين الدول وبين السكان في داخل الدولة الواحدة، وعدم تكافؤ الأطراف المشتركة في مسيرة العولمة، بالإَضافة إلى الطبيعة اللاإنسانية لديمقراطية السوق،.
حيث يسود مبدأ البقاء للأقوى وتخلي الدول عن دورها الاجتماعي في تخفيف حدة الفقر، سواء بين سكان الدولة الواحدة أو حتى على مستوى الدول وبعضها البعض. كما يتناول الكتاب نشأة حقوق الإنسان والتأصيل النظري لهذا المفهوم.
وكذلك يشير أبو سعدة إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وملحقاته، بمثابة إنجاز حضاري، ولهذا أطلق على الإعلان وملحقاته مصطلح «الشرعية الدولية لحقوق الإنسان»، وتحدد هذه «الشرعة» حقوق سياسية ومدنية للمواطنين في الدول كافة، بغض النظر عن دينهم أو انتمائهم العرقي،.
وهذه الحقوق هي الحق في الحياة ومنع التعذيب والعقوبات أو المعاملة غير الإنسانية أو المهنية والحق في الحرية وأمان الشخص والحق في الجنسية وحرية التنقل، بالإضافة إلى الحريات الفكرية، والضمانات القضائية، والحقوق السياسية المشاركة بإدارة الشؤون العامة والحق في الانتخاب والترشح والتجمع السلمي وفرصة تقلد الوظائف العامة.
ويخلص الكاتب إلى أن هناك تأثيرًا للعولمة على حقوق الإنسان في العالم، فالعولمة هي حقيقة ملموسة تعيشها الشعوب في جميع أنحاء العالم سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً.
وأن هذا المشهد الذي يغلب عليه عولمة التجارة والخدمات وأيضاً الأفكار، ساعد على الانفتاح بين العالم والتأثير الثقافي المتبادل بين أقطاره المختلفة، مما جعل العالم أقرب إلى قرية كونية صغيرة تتفاعل فيها الشعوب وتساند بعضها فيما يتعلق بحقوق الإنسان.
الكتاب: أثر سياسات العولمة على احترام حقوق الإنسان
تأليف: حافظ أبو سعدة
الناشر: مكتبة مدبولي
2011 الصفحات: 259 صفحة
القطع: الكبير