الحنين إلى «أساطير الأحياء الشعبية القديمة» قبل عقود من الزمن حيث كان الفنانون بكل فئاتهم ومشاربهم يمثّلون بعض «المعالم» الأساسية للمدينة. تلك الأحياء التي خلّدها المصور الشهير «دوانو» ببعض اللقطات التي دخلت متاحف الفن العالمية.
و«الغضب» من باريس «الجامدة» بعد الفترات والمراحل السياسية التي عاشتها مؤخّرا والتي أصبحت بمثابة «قفص» تجتمع فيه كل أشكال الحقد والضغينة بعيدا عن باريس «المتسامحة». وباريس الخائفة اليوم من «ضواحيها الحمراء»، بالإشارة إلى الأحداث التي كان قد شهدها خريف عام 2005 عندما قام شباب الضواحي القريبة من العاصمة الفرنسية حيث تتواجد أعداد كبيرة، ونسبة ساحقة، من أبناء الهجرة بحرق آلاف السيارات والمؤسسات العامة.
يقول المؤلف ان المرء كان يشعر بنفسه «باريسيا عندما يسكن في مونتروي وبيلانكور ونانتير وسان دونيس»، بأسماء الضواحي التي أصبحت الآن بمثابة مناطق «منبوذة» على خلفية هوية ساكنيها. ويتم الحديث في هذا السياق عن نوع من «المعسكرات» السياسية المغلقة. نقرأ: «إن المناطق التي كانت تجانب سور برلين كانت بوضوح أكثر قبولا» من ضواحي باريس اليوم.
إن المؤلف يعرف جيدا ما يريد التحدّث عنه، ذلك أنه شاهده وخبره من خلال تجربته الشخصية، وهو الذي اجتاز «سيرا على الأقدام» باريس من شمالها إلى جنوبها ومن غربها إلى شرقها.
ولكنه «اخترق» أيضا ضواحيها كلها وتحدث مع كُثر ممن صادفهم بذهنية من يريد أن يفهم. ومن خلال المرور بالشوارع والأحياء والتاريخ والذاكرة يروي المؤلف بكثير من الشاعرية ما كان يستدعيه ذلك من مشاعر في أعماقه.
ويُبدي المؤلف نوعا من «اليأس» أمام ما تثيره لديه بعض الأحياء من مشاعر، خاصة تلك التي يراد تحويلها إلى «قرى ريفية» باسم المحافظة على البيئة بكثير من «التصنّع» البعيد عن ما هو طبيعي. يكتب: «إن دفع التلوّث لدى الفقراء ليس له أي تأثير على ظاهرة سخونة المناخ» التي يعاني منها العالم اليوم.
وحتى «محطات القطارات» فقدت إلى حد كبير هويتها، كما يرى المؤلف حيث جرت عمليات كثيرة من أجل إعادة تشكيل مظهرها. وقد أصبحت تشبه إلى حد كبير المطارات أو ربما المتاحف.
وهذا لا يتماشى كثيرا، كما يرى، مع ضجة الشوارع وازدحامها بحيث أضحى من شبه المستحيل الحصول على موقف للعربات. ويحكي المؤلف في هذا السياق العذاب الذي يعاني منه عندما يذهب لزيارة والديه في الشارع الذي شهد طفولته ومراهقته.
ولا يقتصر المؤلف في حديثه عن الأمكنة بل يكرّس العديد من الصفحات للحديث عن الشعب المعادي وعن همومه حيث كان «يمكن التعرّف ببساطة على شروط حياة البشر وعلى مهنهم، فسترة الميكانيكي كانت مختلفة عن سترة النجار». أما اليوم فقد «تحوّل كل ما يتعلّق بالعمل إلى نوع من ديكور أوقات الفراغ».
ويعود المؤلف أيضا بالذاكرة إلى أحداث شهر مايو- أيار من عام 1968 والمعروفة بـ«ثورة الطلبة». يكتب: «كان السائر على قدميه في باريس في بيته بأية ساعة من النهار أو الليل». كذلك يتحدث بنفس المناسبة عن أصدقائه من اليساريين آنذاك والذين يطلق عليهم تسمية «يسار الكافيار»، إشارة إلى سلوكهم البورجوازي.
الكتاب: صمت المدينة
تأليف: غي كونوبنيكي
الناشر: جي بي زد- باريس- 2011
الصفحات: 174 صفحة
القطع: الصغيرة
Le silence de la ville
Guy Konopnicki
1102 -siraP - ZBJ
.pp 174