إن قضية الدين والدولة أو بالأحرى فصل الدين عن الدولة هي موضوع كتاب «من أجل المواطنة الحقة والسلم الاجتماعي العلمانية هي الحل»، للكاتب فاروق القاضي، الذي قدمه يحيى الجمل.
فإذا كان النبي محمد عليه الصلاة والسلام في عهده العظيم لليهود وأهل يثرب قد عبر في هذه الوثيقة عن مجموعة مبادئ تصور المسيرة التاريخية من علاقات التجمع القبلي الكمي إلى علاقات المجتمع الحضري الكيفي، ولمس هذا البعد التوحيدي منذ 41 قرنا، فما أحرانا اليوم.
من خلال القوانين التي يضعونها ويستطيعون تعديلها عندما لا يجدونها محققة لمصالحهم. وقد أكد القاضي أن «فصل الدين عن الدولة، العقيدة عن السياسة، هو فصل بين الثابت والمتغير، لأن الدين عقيدة إيمانية بالمطلق، والسياسة صراع مصالح متعارضة يخضع لتغير الأحوال وتطور الأزمان.
وذكر المؤلف أن كتابه موجه للمسلمين بعامة والمصريين بخاصة، لأن المسيحيين في كل أنحاء العالم قد حزموا أمرهم وفصلوا الدين عن الدولة، حتى لم تبق دولة دينية غير دولة الفاتيكان الرمزية، «كما أن العلمانية عبرت المحيط وسكنت الولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية.
ولا نسمع عن دول دينية في آسيا، حتى سوكارنو أو سوهارتو لم يعلن أيّ منهما بعد استقلال إندونيسيا أنها دولة لها دين رسمي، وكذلك الحال في إفريقيا السوداء، حيث صهرت حركات التحرر الوطني أبناءها على اختلاف عقائدهم في معدن واحد، مع استثناءات تكاد لا تذكر، فلم تقم فيها دولة ذات دين رسمي حتى غينيا سيكوتوري (الشيخ أحمد توري) ومالي موديبو كيتا (المؤدب المعلم بخيت)، وكلاهما شيخ ومعلم مسلم، أقاما دولتين علمانيتين.
ولم يدفع الانقلاب عليهما النظم التالية لتبني النقيض، بقي «شعب الله المختار» الذي أقام دولته المغتصبة بصولة السلاح وشريعة الغاب وأصر على الادعاء بعلمانية الكيان، فجعل من إسرائيل دولة اليهود وليست دولة يهودية!
ورأى القاضي «أن الدولة الدينية يرفضها علم السياسة والمجتمع العالمي، والحزب الديني ترفضه المساواة بين المواطنين، لتمييزه بين طائفة وأخرى بمحاولته فرض شريعة لا تؤمن بها كل طوائف المجتمع. فالحزب الديني ترفضه الحرية، لأن المبادئ المقدسة تلغي الحوار الحر.
كما ترفضه الأخلاق لاستعماله، العقائد السامية لتحقيق مصالح ذاتية؛ لطرحه المبادئ المطلقة واحتكار الحقيقة بديلا عن حرية الاختلاف، أو لم يربونا صغارا على «ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس» هذا حتى لو صدق اليمين فما بالكم بجعل الله عرضة للجدل والصراع السياسي؟
إما أن يسكت المعارض احتراما للذات العليّة أو يضطر مرغما لتفنيد الحجة ما وسعه، وهما أمران كلاهما مر، هكذا يصبح الإسلام السياسي مشكلة للمسلمين، أصحابه وحدهم من يرون أن دينهم «دين ودولة»، مع أن واقع التاريخ يؤكد غير هذا مهما تحايلوا ومهما ألبسوا الباطل حقا، هم وحدهم من يؤسس الأحزاب القائمة على السمع والطاعة، التي لم نعد نجد لها شبيها في هذه الأيام إلا في بلاد المسلمين.
وقال القاضي «كان الإسلام خاتم الرسالات، والنبي محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الكتاب العربي الذي أحكمت آياته ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ليس فيه كلمة واحدة عن نظام حكم أو إقامة دولة.
كما أكد الشيخ علي عبد الرازق في «الإسلام وأصول الحكم»، وثنى عليه الدكتور محمد أحمد خلف الله في «القرآن والدولة»، لو كان في الإسلام دولة، كما يدعون اليوم، أما كانت أركان هذه الدولة وأسسها تظهر في القرآن أو السنة، أولاً، تدل بيعة الصديق في السقيفة وما جرى فيها، وتعيين أبي بكر لعمر، وتكليف عمر ستة يختارون من بينهم خليفة، والتزم بذلك صحابة النبي والأمناء على سره ونجواه.
وأوضح القاضي أن الثابت أنه لم تكن هنالك مرجعية لمدينة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) غير «لا ضرر ولا ضرار» و«دفع مضرة خير من جلب منفعة»، لم يدّع معرفة بكل شيء، فما هو إلا بشر.
ترك كل شيء لمعرفة الناس وتجربتهم، في الاقتصاد «أنتم أدرى بشؤون دنياكم»؛ في القتال هي «الحرب والمكيدة»، بل إنه وضع أسس المواطنة والمساواة أمام القانون للنصارى واليهود، «أن يكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، حتى بعض القوانين القرآنية الملزمة مثل أي «الرجم» نسخها عندما وجد أنها تفزع الناس من الإسلام، ليس هو وحده، بل مارس من جاء بعده، الإبطال على الأقل، حرصا على الصالح العام.
وأشار القاضي إلى أنه لم يبق خلفاء المسلمين وأمراء المؤمنين غير بضع سنين حتى قتل الخليفة عثمان رضي الله عنه (35 هـ) لأن الدين اختلط بالدولة، وأضاف «لم يقتصر الأمر على قتل الخليفة، بل نشبت الحروب التي كان أشهرها «الجمل» و«صفين»، لتتحول الدعوة المحمدية لإتمام مكارم الأخلاق إلى مُلك عضوض.
الكتاب: من أجل المواطنة الحقة والسلم الاجتماعي العلمانية هي الحل
تأليف: فاروق القاضي الطبعة الأولى: 2011
الناشر: دار العين
الصفحات: 93 صفحة
القطع: المتوسط