تعرف أفغانستان منذ عقد من الزمن تقريبا حربا لا تنتهي. ولا يلوح في الأفق أي مخرج لها. ومن المعروف أن هذه البلاد قد «استعصت» على أولئك الذين حاولوا السيطرة عليها، ولم يكن أقلّهم شأنا جنود التاج البريطاني «الإمبراطوري» خلال القرن التاسع عشر.

وكانت أفغانستان قد أثارت باستمرار اهتمام الباحثين والمؤرخين الغربيين وفي عدادهم «توماس بارفيلد»، الأستاذ في جامعة بوسطن الأميركية، الذي خصّها بكتابه الأخير تحت عنوان: «أفغانستان: تاريخ ثقافي وسياسي».

يشرح المؤلف، بالاعتماد على معرفته الأكاديمية الواسعة عن آسيا الوسطى عامة، وعن أفغانستان خاصة، وكذلك على تجربته الشخصية حيث أمضى عدة سنوات في هذه البلاد، الواقع الاتني والقبلي في أفغانستان. ويركّز في الفصول الستة التي يتألف منها هذا العمل على توضيح العوامل التي توحّد بين الأفغان رغم الاختلافات بين مناطقهم ورغم التباينات الثقافية والسياسية. كما يركز في نفس السياق على شرح العوامل الأساسية التي تفرّق بينهم.

ويشرح المؤلف أنه كان من السهل إلى درجة كبيرة حكم البلاد بمختلف مجمعاتها الاتنية عندما كانت السلطة بيد نخبة صغيرة تعاقبت على إدارة البلاد حتى القرن التاسع عشر. لكن ذلك الاستقرار القائم بشكل رئيسي على مرتكزات تقليدية للسلطة أصابه الخلل منذ أن تعرّضت البلاد للغزو الخارجي ابتداء من الانجليز ووصولا إلى السوفييت. ذلك أن قادة أفغانستان عمدوا إلى «تعبئة الميليشيات الريفية» لطرد الانجليز ثم السوفييت في القرن التاسع عشر والعشرين.

ومن الأفكار الرئيسية التي يؤكّد عليها توماس بارفيلد قوله ان الواقع الجغرافي في أفغانستان جعل من الحياة الريفية نمطا سائدا للعيش منذ قرون عديدة. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن مقولات ابن خلدون حول دراسة المجتمعات منذ القرن الرابع عشر تصحّ اليوم على أفغانستان في العصر الحديث ذلك أن «البنية الاجتماعية» لا تزال قائمة بشكل أساسي على «روابط القرابة» .

وعلى «مشاعر قوية للتلاحم القائم بالضرورة على التبعية الشخصية للمجموعة العائلية أو القبلية». هذا مع التأكيد على أن الولاء هو لـ«المجموعة العائلية أو القبلية». والتأكيد أيضا على أن الولاء لـ«المجموعة» الأولى، السابقة للدولة، يبقى بمثابة القانون الأكثر فاعلية.

لكن بالمقابل تقول التحليلات المقدّمة انه كان هناك باستمرار، وعلى مدى قرون، تدفّق هام لأبناء «المجموعات ذات الانتماءات التقليدية «من الأرياف إلى المدن حيث تقوم العلاقات الاجتماعية أساسا على المال والاستهلاك، وحيث يأخذ الانتماء الطبقي زخما أكبر بالقياس إلى الانتماءات العائلية القبلية.

ويصف المؤلف الإطاحة بآخر حاكم تقليدي لأفغانستان عام ‬1978 أنه الحدث الذي أراد فيه أولئك «الاشتراكيون» الذين أطاحوا به أن يفرضوا على البلاد «قيما علمانية». لكنه كان تيار معاكس للواقع العام في أفغانستان وانتهى الأمر بالإطاحة به رغم الدعم العسكري وتدخل الجنود السوفييت في محاولة لإنقاذ ما يسميه المؤلف بـ«الثورة الأقل شعبية» في التاريخ.

ويرى المؤلف أن السوفييت اقترفوا في أفغانستان نفس «الحماقة» التي ارتكبها قبلهم الأميركيون في فيتنام عندما نشروا قواتهم بواسطة طائرات عمودية لم يتأخر الأميركيون في تزويد المقاومين الأفغان بصواريخ «ستنجر» المحمولة على الكتف لـ«اصطيادها».

الكتاب: أفغانستان، تاريخ ثقافي وسياسي

تأليف: توماس بارفيلد

الناشر: جامعة برينستون

- ‬2010 الصفحات: ‬400 صفحة

القطع: المتوسط

Afghanistan : a cultural and political history

Thomas Barfield

Princeton University Press- 2010

p.