ساد الحديث في فرنسا وأوروبا والعالم عمّا يسمّى بـ«عصر التنوير» الذي يتناظر مع القرن الثامن عشر.
لكن يسود في فرنسا الحديث أيضا عمّا يُعرف بـالقرن الكبير» والمقصود به عامة القرن السابع عشر الذي عرف فترة حكم لويس الرابع عشر، «الملك الشمس»، حسب التوصيف السائد له.
إذا كان الباحثون والمؤرخون كرّسوا الكثير من أعمالهم لدراسة تاريخ القرن الكبير، السابع عشر في فرنسا.
وفترته الذهبية في ظل لويس الرابع عشر، فإن المؤرخة لتاريخ الفن كورين تيبو-كاباسيه تكرّس كتابا لما تسميه «روح الموضة في القرن الكبير»، كما يقول عنوانه الذي يذكّر مباشرة بكتاب مونتسكيو الشهير «روح الشرائع».
إن المقولة الأساسية التي تنطلق منها المؤلفة في تحليلاتها وتقدم البراهين عليها على مدى صفحات الكتاب تتمثل في التأكيد أنه في القرن السابع عشر، وما بين باريس وفرساي، مقر لويس الرابع عشر، تأسست «صناعة الموضة».
وتحاول المؤلفة القيام بنوع من عملية الجرد والتوثيق ــ حتى اللغوي والقاموسي ــ لكل ما يتعلق بعالم الموضة آنذاك من أقمشة وألوان وأزياء.
هذا مع التعرّض للدلالات الاجتماعية التي رافقت تلك «الموضات» التي شغلت إلى حد كبير القارة الأوروبية كلها في تلك الحقبة.
وترى المؤلفة أن أوساط القصر آنذاك كانت بمثابة «أمكنة لعروض الموضة». وقد كان ذلك تعبيرا عن «منعطف تدريجي» في طريقة اللباس.
هذا بمعنى أن أعدادا متزايدة من أفراد الطبقات العليا في المجتمع بدؤوا بالاهتمام الجدّي بالموضة وبارتداء ملابس لا تمليها الضرورات أو التقاليد المحلية. لقد كان ذلك بمثابة الإعلان عمليا عن ولادة «الموضة.
هذا ليس في فرنسا وحدها، ولكن أيضا في عموم القارة الأوروبية، مع التأكيد على أهمية «المركز الفرنسي» الذي تعود تقاليد الأزياء العريقة إليه اعتبارا من تلك الفترة.
وبعد أن تشير المؤلفة إلى التأثير الكبير الذي مارسته «الموضة الإيطالية»، حيث إن إيطاليا كانت بلد النهضة الأوروبية بامتياز، على فرنسا .
تؤكد أن تبدلا كبيرا عرفته الأزياء الفرنسية باتجاه تبنّي «الألوان الزاهية» و«الأقمشة الخفيفة» والابتعاد عن «الزهو» الذي كان سائدا على صعيد الملابس وسيادة «اللون الأسود».
وترى المؤلفة أن اكتشاف العالم الجديد، أميركا، كان عاملا مساعدا في النهوض الأوروبي العام عبر ما جرى استقدامه من ثروات وذهب وما ترتب على ذلك من توسع في المجال التجاري.
وكانت الموضة قد عرفت مصادر تأثير متعددة في مقدمتها العوامل السياسية، ولكن أيضا ظهور العديد من ورشات التصنيع التي زادت تدريجيا من تقنيات الإنتاج وكمياته.
وكان التيار الفني المعروف بـ«الباروك» قد دفع باتجاه خروج «الموضة» عن القواعد والمقاييس مقابل البحث عن سهولة الحركة وعن الحريّة. هذا ووصولا إلى حد «المبالغة».
بالمقابل كان لسيادة التيار «الكلاسيكي» في الفن والأدب اعتبارا من بداية سنوات السبعينات في القرن السابع عشر تأثيرا مباشرا في الرد على «فوضى الباروك» بمجال اللباس.
ذلك عبر التأكيد على ضرورة تبنّي «الوضوح» و«الاحتشام» في الملبس.بالتوازي مع ذلك قام نوع من «المنافسة» في القرن السابع عشر بين «البرجوازيين» و«طبقة النبلاء» التي كانت في أصل انتشار الموضة.
وقد كان البورجوازيون، الذين زادت ثرواتهم، يريدون تقليد النبلاء في جميع مشارب الحياة بما في ذلك ارتداء نفس الملابس و«التقلّد بالسيوف». هذا خاصة أن اللباس كان يمثل مؤشرا على «المرتبة الاجتماعية» لمن يرتديه.
هكذا كان «النبلاء» يسعون باستمرار لـ«التمايز» عن البورجوازيين عبر عدة «إستراتيجيات» مثل تغيير الملابس كل يوم، وارتداء ملابس من أقمشة مختلفة «أغلى ثمنا».
وكان البورجوازيون يسعون إلى تقليد ذلك، لكنهم كانوا حريصين بالوقت نفسه على «ضغط النفقات».
الكتاب: روح الموضة في القرن الكبير
تأليف: كورين تيبو كاباسيه
الناشر: لجنة الأعمال التاريخية والعلمية
الصفحات: 253 صفحة
القطع: الكبير
L'esprit des modes au grand siècle
Corinne Thepaut- Cabasset
CTHS
253p.