يناقش الكاتب والصحافي العماني، احمد الفلاحي، في أبحاث ومقالات كتابه، قضايا وموضوعات حيوية جوهرية، تتصل بمناخات وآفاق واحتياجات ارتقاء العمل الأدبي في المجتمع.
بهدف إزالة أية حواجز تعيقه عن ممارسة دوره الفكري التوجيهي والتنويري، بشكل عميق.
ويتطرق الفلاحي إلى هذه المسألة عبر مداولات ونماذج تطلعات ومقترحات موسعة، يجسدها بأسلوب شيق، ضمن 17 مقالة، جميعها تستعرض مناحي الحياة الفكرية العمانية، بكافة جوانبها،.
حيث يفرد فيها، موضوعا خاصا للحديث عن الدور الريادي البارز لعمان في مجال الفكر والأدب، إذ كانت موطن الأدب والشعر والشعراء منذ قديم الزمان. ويستشهد المؤلف هنا، بمقولات لعدة مفكرين ومبرزين.
وفي مقدمهم الجاحظ، تبين الأهمية التاريخية لعمان في الأدب والفكر.
ويشير الفلاحي إلى ان شعراء عمان، راهنا، يملكون من البلاغة والشاعرية، قدرات مميزة، إذ يشهد لهم بهذا، الكثير من النقاد والباحثين المتخصصين.
ويتساءل المؤلف في المقال الثاني، ضمن الكتاب، عن سبب غياب جمعية الأدباء في عمان. ويتوجه بسؤاله الملح إلى الأدباء، عن دوافع وأسباب عدم مبادرتهم لإيجاد مجمعهم الفكري الخاص (جمعية أدباء).
ويشدد في هذا الصدد، على ان وجود مثل هذه الجمعية له كبير الأثر الايجابي على الأفكار والمفاهيم الإبداعية في المجتمع، خصوصا انها تتيح وتوفر مسالك ومنافذ غنية متنوعة، أمام الأديب، ليستطيع ان ينشط في عرض رؤاه وإيصال رسالته، وليحقق التأثير الخلاق في محيطه الاجتماعي.
ويوضح الفلاحي أهمية إطلاق مشروع لإنشاء هذه الجمعية، لكونها حاجة استراتيجية ملحة، فهي ضمان إبراز الذات بالنسبة للأدباء، والقاعدة التي تمكِن من التعريف بالشخصية الإبداعية العُمانية.
ولا يغفل المؤلف في موضوعات القضايا التي يطرقها، في كتابه، التعرض إلى مجمل الإشكاليات في مجال الإبداع.
فنجده يفرد مقالة تفصيلية معمقة حول ضعف الحركة النقدية في عمان، داعيا إلى العمل الجاد لتأسيس حراك نقدي ناجع وفاعل، يكون محتكما إلى القواعد والأصول العلمية المنهجية.
ويناقش الفلاحي هنا، عدة آراء فكرية نقدية لمفكرين عمانيين، طارحا مآخذه بشأنها، ومبينا ضرورات خضوع أي لون وصنف إبداعي، لتقييم نقدي معياري عالي المستوى.
حيث لا يجدر ان نسمح بتمرير نصوص دون نقد جدي مفككك ومحلل لها، وذلك تحت حجة الفترة الزمنية الطويلة التي مضت عليها، أو أية مبررات أخرى.
وكذلك يلفتنا في الكتاب، ذاك الاحتفاء للفلاحي بأدب الشباب ومنتجهم الإبداعي، مؤكدا على الحاجة الكبيرة لبروز وتمرس وتشجع الأقلام الشابة، ومنوها في هذا الخصوص بمبادرة قدمتها إحدى الجهات في السلطنة، وفرت الاطلاع على تجارب إبداعية شبابية مميزة.
ويركز الفلاحي على إعطاء الشباب جرعات تحفيز عالية ليلجوا هذا المجال، شارحا لهم ان الساحة الأدبية ليست سورا مقفلا لا يدخله إلا من يؤذن له، بل هي مفتوحة أمام كل صاحب موهبة.
ومن يملك القدرة والشجاعة. ولكن المؤلف ينبه إلى حيثية مهمة، وهي ان المراد من إفساح المجال أمام هذه النماذج الإبداعية الشبابية يجب ان لا يفضي إلى صراع بين أجيال المبدعين حول مدارس الأدب ورؤاه.
فلكل سماته وملامح فرادته. كما يعمد الفلاحي إلى تخصيص مقالته التالية في الكتاب، لتدعيم مضمون طرحه في هذا المجال، موضحا فيها ضرورة ان لا يكون الأدب الجديد في عمان، معولا لهدم القديم وتحطيمه.
وينتقل الفلاحي، في معرض نقاشاته الفكرية، إلى باقة منوعة من القضايا، معرجا فيها على دور وجدوى النقد بالنسبة لتطور حركة الأدب.
ولافتا إلى ان الأدب صورة عصره وناسه، دوما، وبذا فإنه بحاجة إلى رؤى تقييم نوعي لينقل هذه الصورة بشفافية وحرفية وتشويق، وبهذا فإنه يبقى السجل التاريخي الجمالي الرائد.
ويحلل مؤلف الكتاب، عدة مفاهيم ونظريات فكرية في الأدب، ساردا فيها، مقارنات وتوصيفات متنوعة للأدب، قديما وحديثا.
وكذلك يستشرف مستقبل الأدب العماني في مقالة تحليلية علمية الطابع، يدرس معها مقومات هذا الأدب.
والاحتياجات والمتطلبات التي يجب ان يستكملها، ليكون مميزا ويحقق وجوده اللامع في مختلف ساحات ومنابر الفكر. ويبين الفلاحي في شرحه، ان الأدب العماني يعاني أو يعيش نوعا من الأزمة.
كما هو الحال في بقية الدول العربية الأخرى. ولكن خصوصية أزمة الأدب في السلطنة، تتمثل ـ برأيه ـ في: قلة عدد المبدعين، وضعف مستوى النتاجات الأدبية، وابتعاد الشعر التقليدي عن روحية العصر. وغير ذلك.
ويقدم المؤلف، بناء على تشريحه لهذه المعضلة، حلولا منهجية شاملة، يدعو الجهات المعنية إلى الأخذ الفوري بها.
ويفسح الفلاحي، حيزا مهما في مقالات كتابه، لبحث الكثير من القضايا الإبداعية العصرية، مركزا على تبيان أهمية اعتناء الكاتب بتنشيط حركة النشر في وطنه من خلال حرصه على نشر مؤلفاته فيه.
وموجها المبدعين إلى الحرص على تقبل النقد بصدر رحب.
ومؤكدا على وجوب ان تسير الرقابة على الفكر والإبداع بشكل خلاق وهادف. كما يتطرق المؤلف، إلى عدة قضايا أخرى متفرعة وتفصيلية، وهي «النقد والإبداع.. أيهما يسبق الثاني؟، الحركة الأدبية في عمان، الشعر العماني».
الكتاب: مع الأدب العُماني.. نقاشات ومداولات وتطلعات
تاليف: أحمد الفلاحي
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر
الصفحات: 164 صفحة
القطع: المتوسط