الصين «الصاعدة» و«القوة المرشحة لمنافسة الولايات» المتحدة على زعامة العالم و«ورشة العالم»، وسلسلة طويلة من التوصيفات التي تصبّ كلها في التأكيد على النهوض الصيني. لكن هذا كله حدث خلال «السنوات الثلاثين التي غيّرت الصين»، كما جاء في عنوان الصحافية والكاتبة الفرنسية، الخبيرة بالشأن الصيني، كارولين بويل.

هذا المسار الصاعد تشرحه المؤلفة في الأقسام الثلاثة التي يتألف منها الكتاب والموزعة حسب التسلسل الزمني، ويحتوي كل قسم منها على ثلاثة فصول. يحمل القسم الأول عنوان «سنوات دينغ ‬1980-‬1991» والمقصود دينغ كسياو بينغ، وتتماشى هذه الفترة مع ثلاثة منعطفات كبيرة تخص «التحديث الكبير» ثم «مسألة نزع الصبغة الماوية ــ ماو تسي تونغ » وأخيرا «بداية الانفتاح على الخارج».

ويغطي القسم الثاني سنوات ‬1992-‬1999، وتعالج المؤلفة فيه الإصلاحات الاقتصادية الكبرى التي قام بها دينغ كسياو بينغ، والتحديات الجديدة التي واجهتها الصين. أما القسم الثالث فيخص مرحلة «النهضة» خلال سنوات ‬1999-‬2010».

وحيث يمثل دخول الصين إلى «العولمة» العلامة الفارقة الأساسية في هذه المرحلة مع وصول «الجيل الرابع» إلى السلطة.

وترى المؤلفة أن «المكانة التي وصلت إليها الصين هي بالأحرى استعادة للموقع المتميّز الذي كانت قد احتلته في الماضي. أما الجديد في صعودها الراهن فتحدده في سياق العولمة اللبرالية. هذا ما تبرهن عليه المؤلفة عبر التعرّض لـ «الأحداث- المفاتيح» التي تفسّر «الصعود السلمي» للصين اليوم.

ومن الأحداث الهامة التي تتوقف عندها المؤلفة في المسيرة الصاعدة للصين ذلك الحدث الذي عرفته جامعة «بيدا»، أكبر جامعة في العاصمة بكين يوم ‬4 يونيو- حزيران من عام ‬1991. في ذلك اليوم سُمع في هدوء الليل الصوت المدوي لكسر زجاج واجهة ونوافذ الجامعة. كان الطلبة أنفسهم قد ألقوا آلاف الزجاجات الفارغة على الألواح الزجاجية.

كانت تلك طريقتهم «الخاصة» في الاحتفال بالذكرى الثانية لما يعرف بمجزرة ساحة «تياننمن» عندما سحقت الدبابات مجموعة من المتظاهرين المحتجين. وكان ذلك يعني أيضا تحميل مسؤولية تلك المجزرة للرجل القوي في النظام الصيني دينغ كسياو بينغ. هذا خاصة أن «عبوة» الزجاجة الفارغة تعني «كسياوبينغ» في اللغة الصينية.

فهم رجل الصين الذي كان يحرّك خيوط السلطة بعيدا عن الواجهة «الرسالة». وترجم محتوى تلك الرسالة بأن الطلبة مصابون بخيبة أمل حقيقية بعد أن كانوا قد وضعوا فيه الأمل بالنهوض ببلادهم ودفعها إلى مصاف أقوى الدول في العالم.

هذه الحادثة تسردها المؤلفة على أنها تعبير عن عمق «الجرح» الذي تركه القمع الكبير الذي مارسته السلطة الصينية ضد المتظاهرين، و«الجرح» خاصة لدى جمهور الشباب من الطلبة وغيرهم. وتصف القمع الذي تلا مجزرة تيننمان بـ «الرعب الأبيض».

لكن المؤلفة تقدّم قراءة أخرى لهذه الحادثة على أنها كانت تعبيرا عن الإحساس بالحرمان الذي كان يحس به أولئك الطلبة عندما حطّموا زجاج جامعتهم من كون أن بلادهم لم تتقدم بخطى سريعة نحو الديمقراطية، وأن البلاد «أضاعت أيضا الكثير من الوقت» في مسيرة تقدمها الاقتصادي.

الملاحظ هو أن مؤلفة هذا الكتاب ترى في تاريخ الصين منذ عام ‬1980 وحتى اليوم سلسلة من فترات التوقف ثم فترات التقدم والصعود. وبهذا المعنى لا تميل إلى الأطروحة القائلة إن الصين قد عرفت «قفزة كبيرة» منذ ثلاثين سنة، ولكن بالأحرى «قفزات» انقطعت بين فترة وأخرى من قبل السلطة السياسية «الشيوعية» بدافع الخوف من «جسارة» بعض رموزها.

وتحدد المؤلفة القول إنه منذ وفاة ماو تسي تونغ عام ‬1976 لعب «دينغ كسياو بينغ» دور «مسرّع الحركة» و«كابحها»، بالوقت نفسه. وقد لعب ذلك الدور مباشرة حتى عام ‬1993. ثم تابع ورثته نفس التوجه حتى اليوم مع الرئيس «هو جيانتو» الذي اختاره «دينغ» كـ «وريث من الجيل الرابع لمتابعة الإصلاحات».

ما تؤكده المؤلفة في هذا الكتاب هو أن دينغ كسياو بينغ تمتّع بمهارة سياسية وبحسّ عملي كبيرين بحيث أنه كان أحيانا على رأس الإصلاحيين في السلطة، لكنه لم يتردد «عندما غيّرت الريح اتجاهها» في أن يضع نفسه على رأس المحافظين. هكذا أطلق عام ‬1980 ما سُمي بـ «المنطقة الاقتصادية الخاصة» المنفتحة على أفكار الاقتصاد الحر وعلى رؤوس الأموال الغربية.

وكانت النتيجة هي ظهور عشرات المدن الجديدة مثل «شنزن». لكن الرجل نفسه «دينغ» لم يتردد بعد ثلاث سنوات أن ينضمّ إلى «المحافظين» في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وفرض «فترة توقف» أولى أدان خلالها «التلوّث الروحاني واللبرالية البورجوازية».

وفي عام ‬1992، عندما كان عمره ‬88 سنة أطلق نداءه المعروف للصينيين: «أجمعوا ما تستطيعون من الثروات». وطالب بضرورة زيادة الدخل القومي الصيني بحيث تجد المؤلفة محرّك ذلك بمقولة «تعلّم التجديد على صعيد صغير ثم توسيعه شيئا فشيئا كي يشمل البلاد كلها».

الكتاب: السنوات الثلاثون التي غيّرت الصين

تأليف: كارولين بويل

الناشر: بوشيه شاستيل باريس ‬2011

الصفحات: ‬524 صفحة

القطع : المتوسط

Les trente ans qui ont changé la Chine

Caroline Puel

Buchet Chastel- Paris- 2011

524p.