يأتي هذا الكتاب بعد أن قال القضاء المصري كلمته الفصل، في واحدة من أشهر القضايا التي شغلت الأوساط السياسية والصحافية والعامة، التي قضت بتبرئة إبراهيم نافع، من كل ما نُسب إليه من تهم باطلة ألصقت به. وقد أسدل الستار على القضية بعد تحقيقات استمرت سنوات متواصلة قبل أن يكتب القاضي حكمه. ويتميز الكتاب بأنه إشكالي منهجي يطرح أسئلة جوهرية بشأن قضية وواقعة مهمة اشتهرت في الأوساط. وفي مختلف الأبحاث ضمنه، لا يدافع المؤلف عن نفسه بقدر ما يضع الوقائع والحقائق أمام القارئ، مدفوعة بالوثائق والمستندات والشهادات وحكم القضاء، ليدفع الاتهامات عنه ويزيل الالتباسات بحكم كونه كان رئيساً لتحرير ورئيساً لمجلس إدارة أكبر وأعرق مؤسسة صحافية عربية، إلا وهي الأهرام، لسنوات عديدة، هي تعدُّ من الأطوال في تاريخ مسيرة مؤسسة الأهرام.
يسرد مؤلف الكتاب، الكاتب والصحافي المصري، إبراهيم نافع، أسرار الحملة عليه، مبيناً أنه خاض معركة عنيفة في مواجهة خصومه. كما يحكي عن تجربته في الأهرام وما أنجزه للمؤسسة، بدءاً من تخرجه عام 1956 في كلية الحقوق، ومروراً بالتحاقه في الأهرام، وحتَّى خروجه منها، ويوضح نافع كيف أصبح رئيساً لتحريرها، وثم رئيساً لمجلس إدارتها، متطرقاً إلى علاقته بمحمد حسنين هيكل، والرئيس الراحل أنور السَّادات الذي كان اختاره للأهرام. ويشرح نافع الأهداف التي عمل على تحقيقها للنهوض بالأهرام، حيث كانت ميزانيته لا تتعدى 126 مليون جنيه فقط عام 1984 عندما تولَّى رئاسة الأهرام.
وإبراهيم نافع الذي التزم الصَّمت أربع سنوات، أراد أن يكشف كُلَّ شيء في هذا الكتاب فخصَّص فصلاً أسماه: «أربع سنوات من الصمت»: «ما لم يَقُلْ من قبل». ويفاجئ إبراهيم نافع الجميع بأن مؤسسة الأهرام قد أوصدت في وجهه جلب المستندات التي يريدها لتبرئته وتقديم الأدلة: «..رغم أن لديها جميع الملفات. وقد كان هذا من أكثر الأشياء التي أثرت فيَّ نفسيًّا بالسلب، لدرجة أنه يمكنك القول ان تأثيرها فاق تأثير الاتهام ذاته. لم أهتز نفسيّاً بشأن الاتهام. ذلك لأنني بحكم سنوات عمري، أعرف أن الدليل المزيف لا يقيم جريمة، إذن البراءة ستفرض نفسها، ولكن الذي اهتزت له نفسي حقّاً هو ما رأته عيناي بعد سقوط الأقنعة عن أوجه الذين عشت بينهم زمناً طويلاً. أخاً وزميلاً ورئيساً، رأيت ملامح التشفي، نظرات شامتة، أعين تقطر حقداً، ابتسامات نهمة إلى إلحاق المزيد من الأذى، كل ما مضى حول علاقتي بهم تراءى كأنه حلم ثقيل». ويضيف نافع: «هؤلاء الذين عملوا معي وبادلتهم الصداقة والاعتزاز، وأظهروا لي كل الحب والذين صدقاً أحببتهم، هؤلاء الناس الآن يحاولون إدانتي ويحجبون أدلة البراءة، وهي بين أيديهم، كل الذين تعاملوا مع اللجنة التي ندبت للتحقيق في الأهرام. وقد حرصوا على أن يتخذ مسار أعمالها، الاتجاه الموصل إلى الإدانة، وذلك بطريقتين:
حجب جميع المستندات والدراسات المعدة عن النظام، حتى عن أعضاء اللجنة «أشار تقرير اللجنة إلى ذلك بصريح العبارة».
إمداد اللجنة بتقارير مفبركة من اللجان التي شكلتها، مع التلويح بالعصا والجزرة لكل من تطلب اللجنة سؤاله، لتكون أقواله في طريقة الإدانة. وترتب على ذلك أنه اشتمل التقرير على ما اشتمل عليه من تهاويم لفساد المصادر التي استقى منها، ودخول الغاية لدى قيادة المؤسسة لينال التقرير منِّي على هذا النحو. وتصفحت التقرير بسرعة، ثم بدأت في تصفحه من جديد على مهل وكلما قرأت صفحة، شعرت بأن الدنيا أصبحت سوداء مظلمة.. بلا شمس ولا ضوء ولا أدنى قدر من المشاعر الطيبة. ما كل هذه الكراهية التي يكنها لي الذي خلفني في المنصب، كيف كان قادراً على احتمال كل هذه الكراهية في قلبه نحوي، في الوقت الذي كان يُظهر لي كل الحب والمودة. فتشت في عقلي، في كل الذكريات التي ربطتني به، لم أجد في ماضي هذه العلاقة سوى كل جميل قدمته له، لا أتذكر أنني قد أسأت إليه يوماً سواء في الفترة التي قضاها معي كمدير للتوزيع، أو بعد ترشيحي له لشغل منصب رئيس الشركة القومية للتوزيع...».
ويتابع نافع: «إلى الآن لا أعرف ماذا عساه أن يكون سبب هذه الكراهية؟ هل أسأت إليه يوماً دون قصد؟ وحتى لو حدث هذا فإنه ليس مبرراً لكل هذه الكراهية، لأنه كان بوسعه أن يأتي ليقول لي: حدث كذا أو كذا».
وكتاب إبراهيم نافع الذي يتكون من أحد عشر فصلاً، إضافة إلى فصلٍ ختاميٍّ عن سنوات حصاد مؤسسة الأهرام في عهد رئيسها إبراهيم نافع، يعدُّ الأهم والأبرز في مسيرته مع مهنة الصحافة وتأليف الكتب، على الرغم من أنه أصدر كتباً سياسية واجتماعية كثيرة من قبل فإن هذا الكتاب له وضع خاص لديه ولدى من سيقرؤه، إذ أنه يضع إبراهيم نافع في دائرة البراءة لا دائرة الاتهام التي وضعه فيها خصومه على مدى سنوات بغرض الإيذاء وليس الحرص على مؤسسة الأهرام.
والكتاب يكشف الكثير من المخبوء والمستور داخل المؤسسة، ويشكل وثيقة إدانة فادحة لمن اتهموا إبراهيم نافع ظلماً وعدواناً. وقد أتت البراءة من القاضي لتغلق ذلك الملف الذي استهلك سنوات من الشائعات ومحاولات الإيقاع والنيل والكيد لرئيس أكبر مؤسسة صحافية مصريّاً وعربيّاً.
الكتاب: أنا وقاضي التحقيق.. ما كان في سنوات الصَّمت
تأليف: إبراهيم نافع
الصفحات: 290 صفحة
القطع: المتوسط