«البيئة» وحمايتها والأخطار التي تهددها تشكل موضوع الساعة في العالم عامة، وفي البلدان المتقدمة بشكل خاص. والمختص الأميركي في مسائل البيئة «كريغ كولنس»، الأستاذ في جامعة ولاية كاليفورنيا، يقدّم كتابا تحت عنوان: «ثغرات سامة» يعالج فيه بالتحديد «أشكال الفشل والآفاق المستقبلية بالنسبة لقوانين البيئة»، كما يقول عنوانه الفرعي.
إن المؤلف يدرس بالتفصيل ترسانة القوانين التي كان قد اتخذها الكونغرس الأميركي خلال سنوات السبعينات المنصرمة حول قوانين حماية البيئة.
ويشير إلى أن الإدارات الأميركية التالية تبنّت عددا من السياسات من أجل تطبيق تلك القوانين. مع ذلك لا تزال المواد والغازات السامة موجودة بكثرة، بل في كل مكان تقريبا من العالم. هذا مع معرفة الجميع وإقرارهم أنها السبب المباشر وراء انتشار العديد من السموم والأمراض، وإشاعة الموت. يأخذ هذا الكتاب في الواقع صيغة تحقيق ميداني يتقصّى فيه المؤلف المسارات التي عرفتها قوانين حماية البيئة في الولايات المتحدة. وكذلك يدرس بنية الهيئة المكلفة بتنفيذ تلك القوانين.
ثم يحاول تقديم الأسباب التي أدت إلى عدم النجاح في تنفيذ هذه القوانين وترجمتها إلى واقع. إنها لم تنجح خاصة في كبح تعاظم «موجة الإجرام» التي تستهدف البيئة و«تنظيف أرض البلاد وجوّها ومياهها». و«ما هو آتٍ أخطر»، كما ينذر المؤلف.
ويركز المؤلف في تحليلاته على إبراز عملية «الخداع» التي تمارسها السلطات المختصّة في الولايات المتحدة مع المواطنين الأميركيين. ذلك عندما تدخل إلى روعهم أن السلطات المختصة «ساهرة» على حماية «صحتهم» وعلى «نظافة» المياه التي يشربونها و«نقاء» الهواء الذي يتنفسونه. وما يتم البرهان عليه في هذا الكتاب هو أن المنظومة الأميركية الحالية لحماية البيئة تهدف إلى «طمأنة الجمهور العريض عبر إشاعة مشاعر كاذبة من الأمن والأمان». والتأكيد أنّ «كل شيء على ما يرام»، بينما الواقع عكس ذلك.
ولا يكتفي المؤلف بالتأكيد أن السياسات المنتهجة من أجل حماية البيئة منذ سنوات السبعينات المنصرمة لم تؤد إلى ما هو مطلوب منها. بل يضيف أنها تقيم في واقع الأمر «حواجز» قانونية و«عقبات» بيروقراطية و«وعودا» كاذبة تصبّ كلّها في المحصلة بخدمة مصالح أولئك الذين يتحمّلون القسط الأكبر من مسألة تلوث البيئة. وهي تحمي هؤلاء «الملوّثين» قبل كل شيء من «غضب الضحايا»، ضحايا البيئة التي ساهموا بـ«تلوثها». ويقوم المؤلف بعملية تفحّص دقيق لما يسميه «القوى الاقتصادية والسياسية المخرّبة» التي تقوم بتعطيل مشاريع القوانين الخاصة بحماية البيئة على جميع المستويات، انطلاقا من الحكومات في مختلف الولايات الأميركية ووصولا إلى السلطة التشريعية العليا المتمثلة في الكونغرس. ويؤكد أن القوى المعنية التي تعمل في إطار النهج الذي تحدده مجموعات الضغط «اللوبي» لخدمة مصالحها، بل إنها تعمل على عدم تنفيذ القوانين إذا فشلت في تعطيل صدورها.
ويتم التأكيد في هذا الإطار على أن العالم هو بحاجة ماسّة وحيوية للوصول إلى «اتفاق مناخي فعال»، وعدم تجنّب الخوض فيه من قبل المعنيين، وفي مقدمتهم «الملوّثون» بدعوى أن البحث عن مثل هذا الاتفاق يشكّل «قضية خاسرة». ويوجه المؤلف أصابع الاتهام خاصة للبلدان الغنية، المسؤولة أولا وأساسا عن مشكلة البيئة، والتي كانت قد «قطفت أكثر الثمرات» في القرنين المنصرمين من التصنيع. ومن يكسب أكثر عليه «منطقيا»، كما يؤكد المؤلف، أن يدفع أكثر أيضا. ثم «إن العدالة تقتضي مطالبة الفاعل ــ الملوّث ــ بدفع تكاليف التنظيف والتعويض على الضحايا بما لحق بهم من خسائر».
ويتم التأكيد في هذا الإطار أيضا على ضرورة أن يشارك الجميع في بذل الجهود وللوصول إلى اتفاق. وأن هناك دورا «تفاوضيا» هاما يمكن لبلدان الجنوب أن تلعبه. ثم ليس هناك أي اتفاق دولي ممكن دون مساهمة دول صاعدة أساسية في مقدمتها الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا. وبكل الحالات لا بد من مساعدة البلدان الفقيرة على مواجهة نتائج «التغيرات المناخية» المهددة. ونقطة أساسية يؤكد عليها المؤلف هي «المسؤولية حيال أجيال المستقبل».
وهذا ما يعبّر عنه بالتساؤل التالي: «هل يمكننا إقامة مجتمع يستجيب لكل متطلباتنا دون أن نحدّ من قدرة الأجيال القادمة على فعل الشيء نفسه ؟بكل الحالات تبقى النتائج مرتبطة بما يتم بذله من جهود وطنية ودولية من أجل حماية الأرض التي نعيش عليها. والكتاب يحدد جيدا إلى أين وصلت هذه الجهود.
الكتاب: ثغرات سامة
تأليف: كريغ كولنس
الناشر: جامعة كمبردج
2010الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
Toxic loopholes
Craig Collins
Cambridge University Press- 2010
288p.