عرفت العقود الأخيرة ظاهرة جديدة على مستوى العدالة تمثّلت بنوع من (عولمة العدالة) التي كانت محكمة العدل الدولية أحد أبرز تعبيراتها. والباحث بيير هازان الذي يعمل منذ فترة في إطار نشاطات معهد الولايات المتحدة للسلام في واشنطن يكرّس كتابا لمعالجة ظاهرة العدالة الدولية تحت عنوان: (محاكمة الحرب، محاكمة التاريخ).

ما يؤكده المؤلف هو أن (عولمة العدالة) أصبحت واقعا قائما (على الرغم مما يشوبها من نواقص)، كما يقول.

ويؤكد أنها (أثارت حماسا كبيرا من قبل المجتمعات المدنية في الشمال كما في الجنوب، لكنها أثارت أيضا أشكالا من القلق الحقيقي لدى العديد من الحكومات، وكذلك من الشكوك لدى المراقبين على خلفية الخشية من أن يتم استخدامها لغايات سياسية تحت غطاء القانون وحماية الضحايا والأمن الدولي، وبالتالي قد تساهم، على العكس، في زيادة هشاشة عمليات السلام).

يدرس المؤلف ثلاث حالات (مؤتمر دوربان) في سويسرا الذي يشكل ميلا نحو (الكونية) اليونيفرسال. ثم دراسة (عولمة لجان الحقيقة والمصالحة) التي شهدها المغرب. وأخيرا تتم دراسة (العدالة التقليدية في مواجهة العدالة الجنائية الدولية)، كما تبدّت في أوغندا، بإفريقيا.

ويشرح المؤلف أن (قانون الصمت) هو الذي ساد لمدة عدة قرون في مواجهة الجرائم الجماعية التي يتم اقترافها غالبا بحق المدنيين. لكن هذا الواقع عرف (منعطفا إستراتيجيا) منذ الحرب العالمية الثانية وتسارع السير فيه أكثر فأكثر منذ نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي وكتلة البلدان التي كانت تدور في فلكه. هكذا لم يعد (الصمت) هو القانون بل أصبح (الحديث الذي قد يساهم في التئام جروح التاريخ). وهكذا أيضا قامت (لجان الحقيقة) والمحاكم الجنائية الدولية. ويرى المؤلف أن تحوّلا كبيرا قد جرى عندما تبنّت ‬120 دولة في جنيف النظام الداخلي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن الدور الأساسي الذي يُفترض أن تلعبه العدالة الدولية يحدده المؤلف في التخفيف من الممارسات التي تستخدم العنف لخدمة ما تعتبره الرهانات السياسية لمصالحها. وكذلك العمل على اللجوء إلى «إستراتيجيات المصالحة» في فضّ النزاعات القائمة. ويتم التأكيد في هذا الإطار أن عشرات المجتمعات معنيّة بهذه «الإستراتيجية» الجديدة. هذا من إفريقيا إلى جنوب البلقان ومن الأرجنتين حتى رواندة ومن بولندة حتى كمبوديا. وهذا ما بدت آثاره «الواقعية» في صربيا (يوغسلافيا سابقا) وفي قيام السلطات البريطانية بإلقاء القبض على «اوغستو بينوشه» دكتاتور الشيلي السابق.

ويرى بيير هازان أن العدالة الدولية ينبغي أن تكون (مؤسسة ورمزا) بالوقت نفسه بحيث يمكنها أن تساهم في تعزيز التوازنات الداخلية في البلدان التي تعرف (مرحلة انتقالية) في مسيرتها، وتساهم أيضا في (إعادة صياغة العلاقات الدولية). وبهذا المعنى يرى المؤلف فيما جرى تحقيقه عبر نشاط (لجان الحقيقة) المتزايدة في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا وملاحقة مجرمي الحرب في البلدان الشيوعية السابقة بأوروبا الشرقية والوسطى نوعا من (الثورة) القضائية والسياسية والثقافية. وبهذا المعنى أيضا يمكن لتبنّي مفهوم (نزع العنف) باسم وجود عدالة دولية (فاعلة) أن يساهم في تعزيز «الوحدات الوطنية» للمجتمعات التي تعاني من توترات اتنية وطائفية وغيرها.

لكن هذا لا يمنع برأيه واقع أن (سياسات العقاب والمصالحة) هي بصدد (إعادة كتابة تاريخ العالم) الذي نعيش فيه. بل ويؤكد المؤلف أنها ليست بصدد تغيير صورة الماضي في أذهاننا فحسب، ولكن الفعل برسم صورة حاضرنا، ومستقبلنا. (إن الزمن قد تغيّر)، يقول لنا مؤلف هذا الكتاب.

لكن بيير هازان ينتهي إلى التحذير من الذهاب أبعد في السياق الراهن الذي يبدو فيه أن دور الدول يتعاظم في السياسات الخارجية العالمية على حساب المؤسسات متعددة الأطراف، والقانون الدولي بما في ذلك اتفاقيات جنيف، يتقهقر.

يتمثل الهدف الرئيسي في هذا الكتاب، كما يصوغه بيير هازان في تبيين الكيفية والآليات التي جرى فيها التطور القانوني والسياسي والثقافي لمفهوم العدالة الدولية. وكذلك، يتم السعي إلى إظهار ما تثيره هذه العدالة من تعبئة للطاقات وما تثيره من آمال في منظور تعزيز حقوق الإنسان في العالم وما يحيط بها من مخاطر وما يترصّدها من انحرافات.

الكتاب: محاكمة الحرب محاكمة التاريخ

تأليف: بيير هازان

الناشر: جامعة ستانفورد ‬2010

الصفحات: ‬240 صفحة

القطع : المتوسط

Judging war, judging history

Pierre Hazan

Stanford University Press- 2010

240p.