يرى أحد مؤلفي كتاب النساء والمال د. أحمد أبو زيد، أنه لا بد من إعادة طرح مشكلة علاقة المرأة بالنقود والقوة، أو النفوذ على نحو مغاير. ويشدد على هذه النقطة بشكل كبير ضمن بحث خاص في كتابه، بعنوان «المرأة وعالم النقود:فضاء للعيش أم فضاء للقوة». ويلفت أبو زيد إلى أنه لعل ما يميز كتابه هو كونه الأول من ناحية موضوعه في الساحة العربية، إلى جانب صدوره عن مؤسسة بحثية نسوية متخصصة، وهي: «تجمع الباحثات اللبنانيات» والذي أخذ يسعى في السنوات الأخيرة، إلى البحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجل، وذلك ليبدي نوعا من الراديكالية الثقافية، من ناحية النضج الفكري وتعدد المقاربات.
ويوضح أبو زيد أنه، وعلى الرغم من أن النقود تجلب للمرأة فضاء للقوة والاستقلال، لكنها غالبا ما تعايش واقعا مختلفا، وخاصة في عالمنا العربي، حيث تصادف واقعا أسريا لا يقوم بالضرورة على حساب الأرباح والخسائر. إذ تتفاعل فيه المرأة مع زوج وأطفال، وأيضا مع إطار قربى أوسع، ولعل في واقع وعلاقة المرأة المصرية بالعمل والمال، ما يشير إلى هذا المنحى، حيث يكون الهدف من عملها، في الغالب، الرغبة الاقتصادية في خلق فضاء من العيش المستقر، وتأمين المستقبل، وضمان حياة كريمة للأطفال. وهذا ما يقودنا إلى التأكيد على أن العلاقة بين المرأة والمال هي علاقة معقدة تتداخل فيها متغيرات عديدة، وأكثر تعقيدا من الطرح المبسط المرتبط بالعلاقة بين تملك المرأة للنقود وتملكها للقوة. وفي جانب آخر حاول المفكر الراحل، والبروفيسور المتخصص في علم النفس، عدنان حب الله، حاول دراسة العلاقة بين المرأة والمال، بهدف تقديم قراءة نفسانية معمقة لأنماط العلاقة التي تقيمها النساء مع الجنس الآخر، عبر وسيط المال، وذلك من خلال محاولة تفسير ظاهرة البذخ والتبذير عند بعض النساء المتزوجات. فالانصراف إلى الشراء وتبذير الأموال ينعكس عند بعض النساء بشكل ايجابي، لأن المرأة هنا تشعر بأن هذا السلوك يعطيها قيمة من خلال المواضيع التي حصلت عليها، فهي بمثابة عملية علاج ذاتية، ترتد عليها بتعويضات عن ما كان ينقصها في علاقتها بزوجها، وذلك على مختلف الصعد. فقيمة الشراء من ألبسة أو مجوهرات أو مساحيق تجميل، تمكنها من رؤية شكلها، من جديد، في حلية تظهر محاسنها، على اعتبار أن الجسد «كائن ثقافي» يشعر بحالة من التعويض عن النقصان الذي يمر به صاحبه، في حال حصوله على قيمته الجاذبة والمغرية، ذلك لأنه يحل مكانه بديل فالوسي، يتمتع بلمعانه وبريقه أمام الناظرين، ويعزز نرجسية المرأة وحبها لشكلها. وفي جانب آخر تناولت الباحثة الاجتماعية الدكتورة دلال البزري، صاحبة العديد من الدراسات الاجتماعية المهمة للغاية في السنوات الأخيرة، تناولت ضمن الكتاب طبيعة التغير الثقافي والاجتماعي الناتج عن العلاقة بين «العازبة المهاجرة والمال»، وذلك انطلاقا من عينة مؤلفة من عشر شابات لبنانيات، هاجرن للعمل في الخارج. حيث ترى البزري أن فعل هجرة العازبة من أجل العمل وكسب المال والتقدم في المهنة، فعل استثنائي في تاريخنا الاجتماعي.
ولعل هجرة العازبة من هذه الزاوية فعل إخلال آخر بين الجنسين، يضاف إلى فعل كسب المال المستقل. وبالتالي هو فعل قطيعة دائمة أو مؤقتة عن مكان التوازن القديم في المجتمع، إلى مكان مجهولة توازناته أو غير مضبوطة وتيرته، خاصة عندما تتم الهجرة إلى بلدان أقل أو أكثر ليبرالية. ولكن المهم أن الشابات المهاجرات، رغم أنهن استطعن تحقيق أنفسهن في مجال العمل، وبدين راضيات وسعيدات بحريتهن، فإنهن عبرن عن أنهن غير مستغنيات في نهاية المطاف، عن السعي إلى الاستقرار وتكوين عائلة. إلا أن الصيغة التي يتمنينها للعلاقة مع هذا الشريك، ترسم نموذجا لرجل هو نقيض نماذج النظام القديم، وتتجلى سماته في الحق الذي أصبح شبه مكتسب، ويتعلق بصفتي المساواة والندية، ويليها «التناغم» في منظومة القيم الذهنية المشتركة والأفكار المتشابهة. وبالتالي يمكن القول إن المال المكتسب من قبل المهاجرات، وأيضا عامل استقلالية قراراتهن، قلبا المفهوم التبادلي السابق للمال: النساء مقابل المال، وخلقا وظيفة أخرى للمال، قائمة على التساوي في اللذة، والتساوي في حظوظ السعي إليها، ما يسمح بصياغة علاقة مع الشريك لا تتفق مع الصيغة التقليدية للعلاقة بين الجنسيين، ولتؤكد العازبات بتجربتهن على نسبية الأنوثة والذكورة، وعلى المضمون الثقافي الذي يغلفها
الكتاب: النساء والمال
تأليف: مجموعة من الباحثين
الناشر: كتاب متخصص يصدر عن «تجمع الباحثات اللبنانيات»- 2011
الصفحات: 414 صفحة
القطع: الكبير