هل ستؤدي الأزمة المالية العالمية الراهنة إلى حرب عالمية جديدة؟ وهل يمكن لفوضى اقتصادية أن تتحول إلى فوضى جيوسياسية؟. هذان السؤالان يطرحهما الأستاذان الجامعيان الفرنسيان بيير باسكالون وباسكال هورتوفو في كتابهما المشترك الذي يحمل عنوانه استفهاما مفاده: «في الأمس الأزمة، والحرب غداً»؟. مع تساؤل آخر في العنوان الفرعي للكتابّ: «هل ستقود الأزمة العالم إلى حافة الهاوية»؟
يشرح المؤلفان بداية أن الاضطراب الاقتصادي الراهن الذي يعاني منه العالم يدل بوضوح إلى خلل في آليات عمل الرأسمالية من جهة ويشير إلى «التآكل الأكيد» للهيمنة الأميركية مقابل الصعود «الأكيد أيضا» للقارة الآسيوية. ومحصلة هذا كله تتمثل في اضطراب جيوسياسي لا سابق له في التاريخ الحديث. ويضيف المؤلفان أن التاريخ القديم علّمنا أن مثل هذه الاضطرابات كانت تترافق دائما بنشوب نزاعات وحروب. على مثل هذه الخلفية من التحليل يتم طرح السؤال التالي: ماذا من أجل الغد؟
ويحدد بيير باسكالون، باسكال هورتوفو القول ان الأزمة المالية العالمية الراهنة لا سابق لها من حيث «حدّتها وشمولها». وبالتالي لا تنبغي قراءتها فقط كمؤشر على خلل الرأسمالية المالية المعولمة وعلى «سلبياتها»، ولكن على أساس النتائج الاقتصادية والسياسية المترتبة عليها وأولها «تباطؤ النشاط الاقتصادي» من الآن وحتى أفق عام 2030. وثاني النتائج يتمثل، حسب القراءة المقدّمة، تتمثل في «تعاظم المنافسة بين الدول» مع إعادة النظر في التسلسل «الهرمي» للأمم من حيث المكانة العالمية.
إن بيير باسكالون وباسكال هورتوفو يشيران إلى إمكانية قراءة الأزمة الراهنة على أنها «أزمة الرأسمالية المعاصرة» من حيث أنها تُبدي نفس ملامح «الأزمات التقليدية» لهذه الرأسمالية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. كذلك تجد الأزمة الحالية جذورها في نفس تلك التي كانت سبب نشوب الأزمات السابقة، وخاصة المبالغة في الاستدانة أثناء فترات الرخاء والازدهار، كما عرفت الولايات المتحدة في عقد التسعينات المنصرم. لكنهما يريان أن الأزمة الراهنة هي «استثنائية» من حيث انها اندلعت في «المركز المالي الأقوى الذي يشكّل بالوقت نفسه القلب الاقتصادي والسياسي للعالم». إنها أعلنت بذلك نهاية «القرن العشرين الأميركي» وفتحت الطريق أمام قيام موازين قوى جديدة في العالم.
ويتوصل المؤلفان في تحليلاتهما لنتائج الأزمة المالية
الراهنة إلى القول ان الولايات المتحدة والأمم الغربية عامة «دخلت في مرحلة طويلة من الانحدار، بعد مرحلة من الصعود استمرت من سنوات التسعينات في القرن الماضي ؟ العشرين- حتى 2007-2008». ومثل هذا المنحى المنحدر يتوازى مع مرحلة من إمكانية مواجهة مخاطر استراتيجية كبيرة». ويؤكد المؤلفان أن «سنوات الهروب إلى الأمام بسرعة قد انتهت وبدأت سنوات السير البطيء مع سيناريو شبيه مع ذلك الذي عرفته سنوات الثلاثينات» التي أعقبت الكساد الكبير بعد أزمة عام 1929.
أما ملامح «الانحدار» فيتم تحديدها بواقع أن النمو عبر الاستدانة بلا حدود من قبل الخاصة قد انتهت لفترة طويلة، وأن النمو عبر الاستدانة العامة للدول غدت مستحيلة. الوجه الآخر لهذا الواقع يتم تحديده بتعاظم المنافسات بين «رأسماليات الدول» وحيث ستقوم هذه الدول نفسها باتخاذ إجراءات حماية تتنافى مع منطق اقتصاد السوق السائد.
ثم إن منظور تعدد «مراكز الجذب العالمية» بين قوى غير متكافئة يزيد التوترات بين الأمم وصولا إلى «إمكانية قيام حروب بين الدول»، «حروب من أجل الزعامة». هنا لا يتردد المؤلفان في القول أن نزاعا «حتميا» يلوح في الأفق بين القوة المنحدرة، الولايات المتحدة، والقوة الصاعدة، أي الصين. وتأكيد آخر أنه رغم الجهود المبذولة حاليا من أجل تقليص الترسانات النووية للقوى الكبرى والحد من انتشار السلاح النووي، فإن «الردع النووي» سيكون أحد المكونات الأساسية للدفاع العسكري للدول.
وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يحلل المؤلفان «فترة ما بعد عام 2030» ولكن ليس بعيون «الاقتصاديين» ولكن من موقع البحث الجيوستراتيجي حيث ستصبح الصين «القوة- الخصم بامتياز» للولايات المتحدة التي ستحافظ مع ذلك، على مكانة عالمية هامة... كذلك سترتفع مكانة «أميركا اللاتينية».
الكتاب: في الأمس الأزمة...
تأليف: بيير باسكالون، باسكال هورتوفو
الناشر: لارماتان- باريس-
0102 الصفحات: 296 صفحة
القطع: المتوسط
Hier la crise, demain la guerre -
Pierre Pascallon, Pascal Hortefeux
-siraP - nattamraHL
2010
692 p.