كتاب المعادلة الصعبة لمؤلف عبد الواحد المكني، مناقشات موضوع بحثه، بالتأكيد على حقيقة أنه إذا كانت حركة التنوير الأوروبي قد نجحت في ترسيخ القيم الفكرية والسياسية والاجتماعية التي نادت بها وعملت من أجلها، فإن حركة التنوير أو ما عرف بالنهضة العربية الحديثة قد عجزت عن تحقيق تلك القيم، إذ بقيت حركة إصلاحية نخبوية ذات تأثير محدود، ولم تستطع من خلاله أن تحقق الانعطافة التاريخية المطلوبة باتجاه تحقيق الحرية، والتأسيس للدولة المدنية الديمقراطية.

 ومن هنا يحاول الباحث عبد الواحد المكني في كتابه المعادلة الصعبة: فشل حركة الاستنارة الحديثة في البلاد العربية أن يتقصى العوامل التي ساهمت في تعثر تلك الحركة، وعدم قدرتها على الوصول بالمجتمع العربي إلى الغايات والأهداف التي كانت تطمح إلى تحقيقها. ويحدد المكني في مقدمة الكتاب، الأدوات المنهجية التي يستعملها في مقاربته الأنتروبولوجية التاريخية لقراءة أحداث وظواهر ومظاهر الواقع، وللتأمل في الفعل الاجتماعي بكافة تجلياته ومصادره، انطلاقا من اعتبار حركة الاستنارة، حركة اجتماعية تاريخية فكرية وثقافية، رافقتها مجموعة من التطورات والانقطاعات على مستوى السياق والتاريخ.

ويبين المؤلف انه تحظى قضية التدين باهتمام الباحث في فصل الكتاب الأول، الذي يعنى بدراسة مظاهر هذا التدين وسلوكياته، من خلال المنهج التاريخي المجهري الذي يراه أداة تجديد لإنتاج الخطاب التاريخي، ووسيلة لقراءة أحداث التاريخ وتأويلها وتركيبها اعتمادا على المعاينة المجهرية، أي التأمل الدقيق في الجزئيات والأحداث العابرة.

ولذلك يتخذ من حادثة الخصومة التي قامت بين المصلح التونسي الطاهر الحداد، الذي كان أحد طلاب مدرسة الزيتونة وشيخ الزيتونة عام ‬1919، مادة للبحث في دلالاتها التي شكلت في معناها، نقضا لمفهوم التراتب والضوابط التي كان يرى الشيخ من خلالها، باعتباره يمثل الذهنية المحافظة أن الطلاب يجب أن يكونوا في خدمة القانون، في حين اعتبر الحداد الذي يمثل ذهنية الاجتهاد، أن القانون في خدمة الطلبة. ويتناول الباحث بعض المظاهر الاجتماعية الأخرى القديمة والحديثة، بما فيها المظاهر المنسية من التدين الشعبي في مغرب القرن التاسع عشر.

والتي تميزت فيها النساء الصالحات في الجزائر، عبر تأسيس السلطة والسلوك غير المألوف، مثل الفروسية والتزيي بملابس الرجال، أو كما يسميها بالصعلكة المرابطية التي قامت بها فتيات شابات، حيث يعيد تلك الظواهر إلى تأثير صور المرأة البربرية. وبعد أن يمهد لدراسته التالية عبر الحديث عن الظاهرة، بوصفها مجموعة من الحوادث والأنساق التي يمكن أن تتكرر أو تتشابه ملامحها.

ويؤكد المؤلف أن الظاهرة التاريخية تنتمي إلى زمن اجتماعي ظرفي يمكن أن يتجلى فيها الثبات والتحول، مبينا ما تميز به التحول الاجتماعي والتغير الثقافي في المجتمعات العربية من بطء وضعف، لينتقل بعدها للحديث عن زمن العودات الراهن الذي يتلخص في عودة الديناصورات إلى أفلام الخيال العلمي، وعودة الانقلابات العسكرية لتصحيح المسارات الديمقراطية، وعودة الإرهاب للقضاء على الفسق، وعودة الأزمة النقدية والقرصنة البحرية التي ظن البعض أنها أصبحت من الماضي. ويطرح المؤلف سؤالا مركزيا حول الأسباب التي دفعت بعناصر من النخب إلى الراديكالية.

والبحث عن دورها الريادي بعد أن كان تاريخ تلك النخب المعاصر قد تميز بحالات من الترقب والانتظار، إن لم يكن الانضباط خلال مرحلة العمل الوظيفي، باعتبار أن أغلب تلك النخب تعمل في قطاع الوظيفة العمومية. ويطرح الباحث سؤالا آخر حول ظاهرة الإقبال على الحصول على جنسية أجنبية عند الباحثين والدارسين العرب والمتعلمين، على خلاف ما كان يحصل في حقبة الاستعمار التي دافع الوطنيون آنذاك فيها، عن جنسياتهم، عندما حاولت الأنظمة الاستعمارية اجتذاب شرائح من سكان المستعمرات لخلق مجموعة من الوكلاء الضامنين لمصالح تلك الدول.

وإذا كان الحال هكذا في زمن النخوة الوطنية، فإن الموقف من موضوع الجنسية قد تبدل في زمن الصدمة الوطنية التي زال فيها تقديس المشاريع الوطنية والقومية، مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، خاصة وأن التجنيس في زمن العولمة، بات يضمن الترقي الاجتماعي، ويحمي من الاستبداد السياسي الشرقي.

والجانب المنهجي الآخر من البحث، يتمحور حول إشكاليات التأريخ لليومي والمعتاد الذي يركز على الوصف المكثف والبحث عن الروابط والشبكات في عالم الحياة اليومية للناس العاديين، من خلال الوصف الدقيق والتفريق بين خصوصيات الأفراد ودراسة السياقات والظروف التي يتحرك في إطارها الفاعلون، وصولا إلى البحث في البنى والمفاهيم النظرية. ومن الجوانب التي يتناولها الباحث موضوع تهميش الإنسانيات في منظومة التعليم العربية، باعتبارها عقيمة وغير مهمة. كذلك يتناول المؤلف موضوع التهميش والهامشية المضادة التي شاعت في سبعينيات القرن العشرين.

ويقدم على ذلك أمثلة من الواقع التونسي كأشهر قصيدة بذيئة قيلت في زمن الاستعمار الفرنسي، وشعر الدعابة السياسية الوطنية والاشتراكية. وفي النهاية يقدم بيوغرافيا برواد الاستنارة الحديثة في تونس، مشيرا في البداية إلى الإشكاليات التي يواجهها مثل هذا العمل، والأهداف التي يتوخى تحقيقها والتي تتمثل في تقديم دراسة نقدية تاريخية، ترمي إلى الاستقراء التحليلي، من خلال البيوغرافيات الجماعية.

 

 

 

الكتاب: المعادلة الصعبة : فشل حركة الاستنارة الحديثة في البلاد العربية

تأليف: عبد الواحد المكني رابطة العقلانيين العرب ودار

الناشر: الساقي ــ لندن

‬2010الصفحات: ‬228 صفحة

القطع: الكبير