دغدغ أذهان الكثير من الصينيـين ما يسمّـــى بـ«الحلم الأميركي». هكذا عرفت العديد من المدن الأميركية أحياء غدت مع مرور الوقت ذات طابع صيني «آسيوي عامة»، وفي طليعتها مدينة نيويورك. والكاتب والصحافي الأميركي باتريك رادن كيف، يكرّس كتابه الأخير «رأس الأفعى» للحديث عمّا يجري في «أقبية» الحي الصيني من خلال تحقيق مطوّل عن «عالم سريّ» تديره سيدة صينية «رأس الأفعى»، ويصل عدد الذين «يعملون» فيه بشكل ما إلى مليون شخص من أصل الملايين العديدة الذين يقطنون الحي الصيني بمدينة نيويورك.
إن المؤلف يقتفي مسارات «الإمبراطورية المعقّدة التي تديرها «السيدة بينغ» والتي تمتد نشاطاتها إلى عدة قارات. وكانت هذه السيدة قد وصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية «نيويورك» عام 1981. وقد دخلت البلاد بصورة شرعية قادمة من منطقة «فوتشو» الصينية. اسمها الكامل هو «شينغ شوي بينغ» وأصبحت معروفة باسم «الأخت بينغ» والتي تمثّل «رأس الأفعى» التي أدارت عملية «تهريب» الآلاف إلى أميركا وتشغيلهم في تجارة السلع المهرّبة.
لقد بدأت «الأخت بينغ» نشاطها في أميركا بتأسيس متجر متواضع لبيع المعجّنات الصينية «نوي». ولكنها سرعان ما نالت شهرة كبيرة بين المهاجرين الصينيين من منطقة «فوجيان» بالحي الصيني في مانهاتن. وأصبحت «مرجعا» لهم من أجل تقديم «النصائح» و«القروض» وتأمين «الصلات» لمساعدتهم في استقدام أهلهم وعائلاتهم إلى الولايات المتحدة. وانطلاقا من متجرها المتواضع أسست امبراطوريتها ووصل رأس مالها سريعا إلى عشرات الملايين من الدولارات المتأتية من التجارات الممنوعة للسلع المهرّبة.
إن المؤلف يحاول الكشف على مدى صفحات هذا الكتاب عن «آليات العمل الداخلي لإمبراطوريــة الأخت بينغ»، كما يقول. وهو يبدأ بتقصّي رحلة المهاجرين السريين الصينيين ابتداء من موطنهم الأصلي.
ويشرح في الفصل الأول الذي يحمل عنوان «المتجهون صوب أميركا» كيف أن موجة من الصينيين القادمين من منطقة «فوجيان» وصلت إلى أميركا منذ مطلع عقد الثمانينات الماضي. ويشير أن هؤلاء المهاجرين، مثل جميع الذين سبقوهم، كانوا يمتلكون القليل من المال ولكنهم كانوا مزودين بـ«عزيمة كبيرة للعمل» ومسلّحين بـ«ثقة لا تتزعزع بوعود الحلم الأميركي»، كما يعبّر.
يشرح باتريك رادن كيف كيف أن «الأخت بينغ»، الأمية تقريبا والتي لم تكن تتحدث عمليا اللغة الإنجليزية، استطاعت بعد فترة أن تقوم بدور مديرة «مؤسسة مصرفية» تؤدي مختلف الخدمات للمهاجرين السريين الصينيين انطلاقا من الغرفة الصغيرة فوق متجرهـــا لبيع «المعجنـــات الصينيـــة».
لكن النشاط الحقيقي لـ«مؤسستها» كان المتاجـــرة بالسلـــع الممنوعـــة المهرّبة ظلّت «إمبراطورية الأخـــت بينـــغ» تعمل بكل نشاط في السر حتى عام 1993 عند اكتشاف أمر السفينة «غولدن فنتشر» التي كانت تقل 300 من المهاجرين السريين الذين استقدمتهم لـ«العمل» في خدمتها. ويصفها المؤلف على أنها كانت أحد «العرابين» الأكثر «حنكة وذكاء» في تاريخ الجريمة المنظّمة الحديث بالولايات المتحدة الأميركية. لقد استمرّت نشاطاتها حوالي عقدين كاملين وزادت ثروتها عن 40 مليون دولار. ويشير المؤلف أن «اكتشافه» لنشاطاتها بدأ عام 2006 عندما كانت تتم محاكمتها في نيويورك.
وفيما هو أبعد من طبيعة نشاطاتها في عالم السر والجريمة المنظّمة واستغلال جهود أعداد كبيرة من البشر، فإن المؤلف يؤكد على أنها، رغم ثروتها الطائلة، حافظت دائما على مظهرها «المتواضع» وعلى مثابرتها لـ«ساعات طويلة» على العمل وابتعادها الكامل عن حياة الثراء.
ويعتبر أن هذه الصفات كلها ساعدتها على أن تفعل ما فعلت بعيدا عن العقاب لفترة طويلة من الزمن. كما كانت تلك الصفات وراء «الاحترام الكبير» الذي كان يكنّه لها سكان الحيّ الصيني بنيويورك الذين كانوا يعتبرونها كـ«بطلة مدينتها الأصلية» من خلال ما قدّمته من «مساعدات» لأعداد كبيرة من العائلات في تلك المدينة.
ومن الصفات التي يؤكد عليها المؤلف لدى «الأخت بينغ» هو أنها كانت حريصة جداً على الدقة وعلى أكبر درجة ممكنة من «الكمال». بهذا المعنى عندما بدأت نشاطها بـ«نقل المهاجرين السريين» إلى الولايات المتحدة في مطلع عقد السبعينات كانت تقوم هي نفسها بنقل الأشخاص المعنيين. وكانت تحرص مثلا على أن تكون برفقتهــم في «هونغ كونغ» عند إقلاع الطائرة التي ستقلّهم إلى غواتيمالا. أو أن تكون بانتظارهم في غواتيمالا عند وصولهم كي «تعبر» معهم إلى المكسيك ومنها إلى أميركا ووصــولا إلى نيويورك.
وقد حاولت بعد «توسّع» النشاط إلى استخدام آخر من تثق بهم. هنا يرى المؤلف مكمن خطأها الأكبر إذ اعتمدت على عصابة من بين الأكثر عنفا في الحي الصيني، تحمل اسم «شينغ غانغ فوك». وانتهى الأمر إلى «الإدارة السيئة» وانتهاء بعض رحلات المهاجرين السريين إلى «شاطئ الموت» وإلى عالم الظل وارتكاب جرائم قتل.
الكتاب: رأس الأفعى
تأليف: باتريك رادن كيف
الناشر: انشور بوك- نيويورك - 2010
الصفحات: 234 صفحة
القطع: المتوسط
The snakehead
Patrick Radden Keefe
Anchor Books - New York - 2010
234 p.