يرى مؤلف الكتاب، طلعت رضوان، أن الليبرالية المصرية بدأت في جذورها وبذورها مع الحملة الفرنسية (1798-1801)، وذلك حتى وان كان البعض يرى أن فترة حكم علي بك الكبير الذي تخلص من حكم المماليك والاستقلال عن الدولة العثمانية، تمثل البداية. وقد بين البعض الآخر أنه وضع محمد علي (1805-1848) بداية الليبرالية المصرية، بتأسيسه دعائم أسس الدولة الحديثة. وانعكس ذلك عمليا وجليا في خطاب رئيس الوزراء شريف باشا، أمام أول مجلس للنواب في يناير 1882. وقد أعلن إعطاء الأعضاء كل السلطات المعروفة للنواب أعضاء المجلس. وهو ما اعترضت عليه انجلترا وفرنسا في حينه. وبالتالي ثار الأعضاء ورفضه النواب في المجلس المصري، وقد تم حل المجلس بعدها.
ولعبت جامعة القاهرة دورها العملي في ترسيخ مفاهيم الليبرالية. وهو ما عبر عنه الدور الذي لعبه د.طه حسين، حيث كانت النظرة إلى المناهج التعليمية التي ترعى المصلحة للوطن، دون النظر إلى أي أمر آخر للطالب، حتى كان السؤال الذي قد لا يلفت الانتباه الآن، إذ وضعه الممتحن لتلامذة المرحلة الثانوية، حيث سألهم عن جدوى أن تنهض صحيفة «الأهرام» بعمل رحلة استكشافية لمنطقة صحراوية في مصر والكتابة حولها. وهو ما يعني توعية العامة بالوطن (كان ذلك عام 1934).
ثم أورد الكاتب أمثلة عديدة لبيان أن التغييرات المطلوبة لطريقة تفكير المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين، لم تكن سهلة، ومثال ذلك هو كيف واجهه قادة التنوير في حينه، عندما عاد سعد زغلول من المنفى، وتحول إلى بطل أسطوري. ووصل الأمر إلى أن قال البعض إن الزراعات في بعض الحقول تشكلت على جملة «يحيا سعد». وتردد بين العامة أن أحد الأطباء سمع جنينا في بطن أمه يردد «يحيا سعد»! وهو ما اعترض عليه أحمد لطفي السيد، وكتب المقالات وتحدث منددا بتلك العقلية. وتجلى دور المثقف في تلك الفترة، بعدد من الحوادث، منها: صدور كتاب «أصول الحكم» لعلي عبد الرازق، حيث وبسببه طرد من الأزهر الذي يعمل به. ومن ثم انقسم الجميع إلى فريقين: رجال الدين في طرف والصحافيون والمفكرون في طرف آخر.
وبعد ذلك بسنة واحدة، نشر طه حسين كتابه «في الشعر الجاهلي». ونجح رجال الدين في تقديمه للمحاكمة. وبرأته النيابة العامة، بناء على فرضية مفادها: «ان ما ورد في بعض من الكتاب، كان مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها، وبذلك لا يتوفر القصد الجنائي». كما كانت الدعوة إلى المواطنة، أو أن الدين لله والوطن للجميع، كانت من الدعوات التي وقفت خلفها أقلام المثقفين والمبدعين. فيما سجلت المرأة في تلك الفترة من القرن الماضي، نشاطا ودورا بارزا في بدايات النهضة الليبرالية الجديدة، مثل:(هدى شعراوي- منيرة ثابت- درية شفيق). وفي فصل خاص عن دور المجلات الثقافية قبل يوليو 1952، في تعضيد وتزكية الروح الليبرالية عند العامة، وتهيئة الناس لاستخدام العلم وسيلة للنهضة، توقف الكاتب عند مجموعة أمثلة ودلائل من بعض المجلات، وذلك منذ أواخر القرن التاسع عشر. ولم ينته الفصل قبل أن يشير الكاتب إلى عدد كبير من الصحف التي نشرت في النصف الأول من القرن العشرين، وأيضا قدم عرضا لبعض المقالات والآراء. ولم يلبث الكاتب أن توقف مع بعض الكتب التي يعتقد أنها تعبير عن الليبرالية الفكرية في تلك الفترة، أي قبل 1952. مثل: كتاب «من هنا نبدأ» للكاتب خالد محمد خالد، صدر في عام1950، وفيه يحذر الكاتب من الإسلام السياسي. وكتاب «الجبهة الشعبية» من تأليف محمد جلال كشك، في عام 1951، الذي يرى فيه كاتبه إباحة التسليح للشعب ضرورة ضد الوجود الانجليزي في البلاد». بالإضافة إلى عرض كتب أخرى، مثل: «من بعيد» لطه حسين»، «أهدافنا الوطنية» لشهدي الشافعي. ولعل أهمية الكتاب تتضح في أسلوب تناول الكاتب الذي يتسم بالتبسيط للقارئ العادي، والبعد عن التقعر الفكري، على الرغم من إغراء الموضوع ذاته. وهو ما يسهل على القارئ، فهم أن لليبرالية هي التناول العلمي الموضوعي مع حرية البحث والإعلام.
السيد نجم
الكتاب: «الليبرالية المصرية قبل يولو,1952. النشأة والأفول»
تأليف: طلعت رضوان
الناشر: هيئة الكتاب المصرية - عام
0102 الصفحات: 140 صفحة
القطع: الكبير