كيف جرى الانتقال من السلطة الأبوية القوية إلى وضع الأهل تحت رقابة العاملين في حقلي الصحة والتربية؟ وكيف جرى الانتقال أيضا من النضال من أجل «تحرير الأمّهات» إلى توجيه أصابع الاتهام لهن؟ هذان السؤالان تطرحهما ساندرين غارسيا أستاذة علم الاجتماع في جامعة باريس ــ دوفين في مطلع كتابها الذي يحمل عنوان «أمّهات تحت النفوذ».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية يحمل الأول منها عنوان: «أسرٌ متعددة الأفراد أم أسر سعيدة»؟ وتكرّس المؤلفة القسم الثاني لما تسميه «إصباغ النزعة الدنيوية على الأخلاق الطبية». والقسم الثالث مكرّس لـسالبناء النفساني لقضية الطفل». أما القسم الرابع والأخير من الكتاب فيحمل عنوان: «حول تحريف سلوك الأهل».
وفي مجمل هذه الأقسام تؤكد المؤلفة على أن «الأمهات» تراجعت «قضيتهن» لصالح إعطاء مكانة مركزية لـ«قضية الطفل»، وتنقل المؤلفة عن الأخصائية الشهيرة بالتحليل النفساني للطفل فرانسواز دولتو أنها استخدمت صفة «الثورية» بالنسبة لقضية الطفل.
ويتم في الوقت نفسه التأكيد على أن الحدود بين ما هو «طبّي» وما هو «أخلاقي» غدت غامضة بالتوازي مع «غموض مماثل» بين ما هو «فردي» وما هو «مؤسساتي». والنتيجة هي أن الأهل يواجهون، بصيغة ما، نوعا من الاتهام بممارسة «عنف تربوي» حيال أطفالهم مما يشكل،حسب الكثير من الآراء السائدة، «خرقا» صريحا لحقوق الطفل.وتشير مؤلفة هذا الكتاب بأشكال مختلفة إلى الإشكالية المطروحة عامة حول واقع «الدونية» التي لا تزال تعاني منها المرأة في المجتمعات الغربية.
ذلك أنه رغم امتلاكها «نظريا» لنفس «السلطة الاجتماعية» التي يمتلكها الرجل، فهي لا تزال تحظى بنسبة ضئيلة من المراكز العليا في ميداني السياسة والاقتصاد. وتشير المؤلفة إلى وجود نظريتين للإجابة عن أسباب استمرارية مثل هذا الواقع الذي نالت فيه المرأة حق المساواة مع الرجل «نظريا» مع عدم ترجمة هذا الأمر إلى ممارسة فعلية. النظرية الأولى تعيد الأمر إلى «الحقد الرجالي» مسؤولية استمرار حالة عدم المساواة بين الرجل والمرأة على صعيد تقسيم العمل، والقول أيضا أن مثل هذا «الحقد» تتجلّى مظاهره في أرض الواقع بأشكال مختلفة من العنف الجسدي أو الشفهي أو الرمزي.
وتقول النظرية الثانية إن الأسباب العميقة لاستمرار حالة عدم المساواة بين الجنسين تعود إلى كون أن المرأة قبلت بالدور الذي تفرضه عليها «مهنة الأمومة». وذلك بمعنى أنها تقبل، دون أي تدخل من قبل الرجل ودون أية عملية قسر خارجي، أن تكون «رهينة» هذا الدور الذي يبدو، إلى هذه الدرجة أو تلك، نوعا من «العبودية الإرادية»، حسب القاموس الذي يستخدمه بعض المفكرين.
ومن الواضح أن تحليلات هذا الكتاب تندرج في الإطار الفكري لهذه النظرية الثنائية. وتريد المؤلفة أن تبرهن على عمق الدور الذي لعبه من تسميهم بـ«صانعي الأخلاق» من مفكرين ومهتمين بشؤون الأمومة والطفولة. وهي تركز بحثها حول شخصيتين بارزتين في هذا الميدان.
الأولى هي الطبيبة ماري ــ اندريه لاغورا ويل ــ هاللي، مؤسسة جمعية «الأمومة السعيدة» عام 1956، ثم مؤسسة «الحركة الفرنسية من أجل التخطيط الأسري»، والشخصية الثانية هي المحللة النفسانية الشهيرة «فرانسواز دولتو» صاحبة كتاب «قضية الأطفال».
وتناقش ساندرين غراسيا على مدى قسم كامل من الكتاب مضمون «المعادلة» التي قالت بها الطبيبة ومفادها أن هناك تناغم بين سعادة الأمهات وسعادة الأطفال وبحيث أن «الطفل» أو الطفلة المزدهرين يمثلان تجسيدا لرغبة أمهما «المزدهرة هي الأخرى». أما المحللة النفسانية فإن المؤلفة تحلل نظريتها القائلة أن هناك «تعارض في المصالح» بين الأمهات والأطفال منذ فترة الحمل. وتقول «دولتو» أن «رغبة الحياة» المفترضة لدى الجنين تتعارض مع كل ما يقال عن «حق الإجهاض». وبالتوازي، منذ اللحظة التي يولد فيها الطفل يتطلّب بالضرورة استعداد أمّه المطلق للعناية به جسديا ونفسيا.
ترجمة مثل هذه الأفكار على الصعيد التربوي تجسّدت بمقولات أن الأطفال يشكلون «شخصيات متكاملة ومستقلّة». وبالتالي هم بحاجة إلى الحريّة كمحيط يترعرعون فيه وليس إلى «ثكنات» تكبح قدراتهم. ومثل هذه الأفكار هي التي جعلت بالتحديد من الأمهات «جنودا» في خدمة «قضية الأطفال». وبهذا المعنى تبدو دلالة عنوان هذا الكتاب: «أمهات تحت النفوذ».وما بين التأكيد على «الأمومة السعيدة» التي ينبغي أن تكون الإطار الذي تمارس فيه المرأة «مهنة الأمومة».
وبين التأكيد على «الأم في خدمة الطفل» و«من أجل حريته» هناك نوع من «معركة المعايير» الخاصة بتحديد «مهنة الأمومة»، كما تشير المؤلفة،. وفي الحالتين تبقى «مصلحة الطفل» هي الرهان الأساسي، هذا في الوقت الذي تبدو فيه «سلطة الأب» أنها «الغائب الأكبر» عن مثل هذه المعركة الخاصة بتربية أجيال المستقبل.
وما تؤكد المؤلفة عليه هو أن العديد من «خبراء التربية» في المجتمعات الغربية الاستهلاكية الراهنة يجعلون اليوم من أجواء الأسرة التقليدية نوعا من «النظارة» حيث يتعرض الأطفال باستمرار لـ«الرقابة» و«التجسس» عليهم، وغير ذلك من آليات فرض السيطرة. هذا وصولا إلى «القمع» عند أول حركة تمرّد. وما يترتب على هذا من «سوء المعاملة» بل و«الإدانة».
الكتاب: أمهات تحت النفوذ من قضية النساء إلى قضية الأطفال
تأليف: ساندرين غارسيا
الناشر: لاديكوفيرت ــ باريس ــ 2011
الصفحات: 380 صفحة
القطع: المتوسط
Mères sous influence
Sandrine Garcia
La Découverte - Paris - 2011
380 p.