يرى مؤلف الكتاب، الباحث د. أحمد السيد النجار، أن نهر النيل بصورته الراهنة، أطول أنهار العالم حيث يبلغ طوله نحو 6820 كيلومتراً، يقطع خلالها مناطق مناخية مختلفة، حيث تبدأ منابعه من منطقتين: الأولى هضبة البحيرات الاستوائية العظمى، وهي منطقة ذات مناخ استوائي شديد الحرارة، وتسقط فيها الأمطار نحو تسعة أشهر في العام، والثانية الهضبة الإثيوبية ذات المناخ الموسمي المداري الحار التي تسقط فيها الأمطار صيفا، ولمدة أربعة أشهر، في زخات عنيفة ومركزة. ثم يمر نهر النيل بعد ذلك في المنطقة المدارية. ويقطع مسافة تبلغ نحو 2521 كيلومتراً، من مصب نهر عطبرة فيه، وحتى قناطر الدلتا شمال القاهرة، صانعاً وادياً من الخضرة اليانعة والمياه المزدهرة، ويحيط به من الشرق والغرب صحارى مصر الشرقية والغربية، التي تشكل امتدادا طبيعياً للصحراء الإفريقية الكبرى. وبعد أن يتفرع النيل من قناطر الدلتا إلى فرعي رشيد ودمياط، حيث ينساب خلالهما متجها نحو مصبيه في البحر الأبيض المتوسط، فإنه يمر في دلتا مصر التي كونها طمي النيل عبر عشرات الآلاف من السنين، والتي يسودها مناخ البحر المتوسط الأقرب للمناخ المعتدل الدافئ، وهكذا يمر النهر عبر رحلته الطويلة من قلب إفريقيا إلى البحر المتوسط خلال أربعة أقاليم مناخية متباينة تمتد بين خطي عرض 4 جنوب خط الاستواء إلى 32 درجة شمال خط الاستواء.
ويؤكد النجار أن الدول التي يمر بها النيل لا تقل تنوعاً عن الأقاليم المناخية التي يمر بها، فمن منابعه المختلفة، الاستوائية والإثيوبية، وحتى مصبه في البحر المتوسط، يمر النيل في بروندي ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا والكونغو الديمقراطية (زائير) وإثيوبيا واريتريا والسودان ومصر، أي أن حوض النهر يشمل 10 دول، وتبلغ مساحة الحوض الطبيعي للنيل من منابعه إلى مصبه، نحو 2,9 مليون كيلومتر مربع، وهي مساحة هائلة بكل المقاييس. ويشير المؤلف إلى أن الإيراد المائي لنهر النيل، بالمقارنة بالأنهار الكبرى في العالم، يعتبر قزما. ويوضح النجار أنه إذا كان النهر قد بقي متاحا للاستخدام بلا قواعد أو حدود حتى القرن العشرين، فإن تشكل الدول في المناطق المختلفة من حوضه، أوجب مستويات مختلفة من الاتفاقات بشأن استغلال مياهه، كما أن التزايد السكاني الهائل في دول حوض النهر، في الوقت الراهن، فحول البعض منها من الوفرة المائية إلى حالة من الضغوط المائية أو حتى الفقر المائي، ما خلق المزيد من الضغوط على مياه النهر التي باتت محلا للتنازع السلمي، الذي تغذيه قوى خارجية وتدفعه باتجاه التصعيد الذي ينبغي أن لا تسمح مصر وباقي دول حوض النهر بحدوثه، لأنه سيكون كارثة على الجميع، بينما يمكن لمشروعات التعاون لتطوير إيرادات النهر، أن تحقق إضافات هائلة للإيرادات المائية للنهر، تلك الإضافات التي يمكن اقتسام تكاليف المشروعات الضرورية لتحقيقها، واقتسامها هي نفسها بصورة عادلة وأخلاقية ومحققة لمصالح الشعوب والدول التي يحتضنها حوض نهر النيل. ويضيف المؤلف: «إذا كانت الحكومة المصرية قد تحفظت على الاتفاقية الإطارية للاستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية، والتي أقرتها الأمم المتحدة عام 1997، بسبب ما تتيحه من إمكانية إلغاء الاتفاقات القائمة، والاتفاق على معاهدات جديدة لتقسيم مياه الأنهار الدولية، فإنه ليس هناك أي جديد يجعل مصر تتراجع عن هذا الموقف، ولذا فإن الرفض المصري الدائم لتوقيع أي اتفاق يتضمن أي مراجعة لحصة مصر من مياه النيل، أمر بديهي، لأن مصر رتبت حياة مواطنيها وقطاعها الزراعي وقطاع تربية الماشية، وجزء من قطاعها الصناعي، على قطرة من مياه النيل.
ويؤكد النجار على أن المشروعات الممكنة لتطوير إيرادات النيل، تكفي لتغطية احتياجات كل دول الحوض، وزيادة حصص كل دول المجرى الأعلى والأوسط والمصب. وإذا كانت مصر قد تمسكت دائماً بالنهج التعاوني في إدارة الشراكة في المياه، مع دول حوض النيل، فإن هذا النهج لا بديل له، مع ضرورة طرح أفكار مبتكرة وخلاقة لتعزيز هذا التعاون وإقناع الدول الأخرى به، وإقامة شبكة كثيفة من العلاقات الاقتصادية، وبخاصة في مجال الزراعة، والعلاقات العلمية والتدريبية والعسكرية، مع دول الحوض، حتى يصبح النهج التعاوني السلامي، أمراً بديهياً في إدارة العلاقات بين مصر وهذه الدول، بشأن مياه النيل، وأمر آخر يخص مصر، وهو ضرورة تطوير الكفاءة المتدنية لنقل المياه، وتطوير أساليب الري وإلزام كل المزارعين الذين يزرعون الخضر والفاكهة، بزراعتها بالتنقيط وليس بالغمر، وإعادة النظر في التركيب المحصولي لتوفير المياه.
الكتاب: مياه النيل .. القدر والبشر
تأليف: د. أحمد السيد النجار 0102
الناشر: دار الشروق
الصفحات: 248 صفحة
القطع: المتوسط