عرفت مسيرة العلوم تطورا كبيرا في تاريخها. وأراد الإنسان أن يسبر أسرار الطبيعة ويسيطر عليها بأكبر قدر مستطاع بواسطة العلم وما ينتج عنه من ثمرات على صعيد التكنولوجيات المتقدمة. وبهذا المعنى يمكن إطلاق صفة «التبدّل» التكنولوجي نحو الأفضل على مرّ العصور.

إن المؤرخ الأميركي «روبرت فريدل» الأستاذ في جامعة ميريلاند يشرح في كتابه «ثقافة تحسين ما هو قائم» كيف أن مسيرة التقدم العلمي والتكنولوجي التي شهدها الغرب منذ ألف سنة قامت بجزء كبير منها حسب خط بياني تصاعدي على خلفية تبنّي ثقافة تقوم أساسا على مقولة «التحسين»، ووجود القناعة الثابتة والعميقة أنه يمكن دائما «تحسين ما هو قائم»، أي استمرارية المسار نحو «ما هو أفضل».

ويحدد المؤلف القول إن «ثقافة التحسين» تجد ما يدل عليها كل يوم من خلال الطريقة التي يقوم بها البشر بأعمالهم. وذلك على مختلف المستويات ابتداء من طريقة «حرث الحقول» و«تربية الأطفال» ووصولا إلى تحسين آلات الحرب والدمار. وتتم الإشارة أنه إذا كان «التحسّن» أمرا معروفا للجميع فإن هناك الكثير من التفاصيل «غير المعروفة جيدا» في هذا التاريخ.

ومن خلال مسيرة العلوم والتكنولوجيات في التاريخ الغربي، على اعتبار أن الغرب كان هو المسرح الرئيسي لهذه المسيرة خلال الألف سنة الأخيرة، يعالج المؤلف مفهوم «التقدم» نفسه. ويرى أن خطوات «التحسين» من موقع إلى موقع متقدم أكثر، يمكن أن تكون عابرة، مرحلية أو مستدامة. ثم إن واقع الانتقال من حالة إلى حالة أخرى قد لا يراه آخرون «تقدما».

ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أهمية المسارات الاجتماعية التي تحدد ما هي «التحسينات» التي يمكن أن تبقى أو التي يمكن أن تزول. هذه المسارات الاجتماعية هي بالتحديد التي جعلت أن هناك رابحين وخاسرين في التاريخ.

إن المؤلف يعود في تقصّيه عن المسار التطوري العلمي والتكنولوجي الغربي إلى القرن الحادي عشر وصولا إلى بدايات هذا القرن الحادي والعشرين. ويصادف القارئ على مدى الـ‬600 صفحة التي يتألف منها الكتاب الكثير من الشخصيات الكبرى التي ارتبط اسمها باختراعات غيّرت المسار الإنساني كله وليس الغربي فحسب وليس أقلّها شأنا أديسون مخترع الكهرباء وبيير وماري كوري مكتشفا «الإشعاع الذري» وغيرهم من المخترعين.

لكن إلى جانب هؤلاء المخترعين الكبار الذين حفلت بهم الكتب المدرسية في جميع أنحاء العالم هناك الكثير من أولئك الذين غيّرت اكتشافاتهم وأعمالهم الكثير من ممارسات البشر أو من اهتماماتهم. ومن بين هؤلاء أفراد من زمرة المهندس «غوستاف ايفل» الذي بنى «برج ايفل»،المعروف باسمه، في باريس والذي غدا أحد أكثر المعالم السياحية شهرة في العالم.

يبقى الجانب التاريخي لمسيرة العلوم وتحسين التكنولوجيات هو الذي يحظى بالاهتمام الأكبر في الكتاب. وبعد الإشارة إلى تلك الحقبة المعروفة بتسمية العصور الوسطى، التي كان يتم فيها استخدام الرمل والماء والظل في تحديد الساعة، يؤكّد المؤلف أن الصين كانت آنذاك في موقع أكثر تقدما من أوروبا، بل كانت «الرائد عالميا للثقافة التكنولوجية». والصين هي التي كانت وراء ثلاثة اختراعات جوهرية هي الورق وصهر المعادن والبارود.

هذه الاختراعات الثلاثة أخذتها أوروبا وقامت بـ«تحسينها» وتطويرها خلال الفترة الواقعة بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر لتغدو أحد المصادر الأساسية لازدهار الحضارة الغربية. وكان ذلك يمثل في أحد وجوهه نوعا من الاستمرارية في مغامرة المعرفة الإنسانية.

وبعيدا عن الخوض في النظريات الكثيرة الخاصة بالأسباب التي كانت وراء نهوض الغرب «الأوروبي» وازدهاره، يؤكد المؤلف أن هذه المنطقة «الصغيرة نسبيا» كانت مهد أحد أكبر الظواهر في التاريخ الإنساني الحديث. ذلك أن مسيرة «تحسين» عدد من الأفكار التي كان بذور بعضها موجودة في الحضارات السابقة، خاصة العربية والصينية كما يشير المؤلف، أدّت إلى قيام الثورة الصناعية التي مثّلت تحوّلا جوهريا في التاريخ الإنساني نحو بناء العالم الحديث.

إن المؤلف يستعرض العديد من المقولات التي يؤكد أصحابها، خاصة المؤرخين منهم، أن ثروة وازدهار الغرب قاما على نهب ثروات الأمم والبلدان «غير الغربية». لكنه يؤكّد بالمقابل أنه لا يريد الإجابة على أسئلة تخص «أسباب نجاح الغرب في اختراع تكنولوجيات دينامية ومنتجه بينما فشل بقية العالم في عمل ذلك». لكنه يريد أن يقوم بـ«تحقيق» يعرض فيه المحطات الكبرى التي عرفتها الحضارة الغربية عبر «تكديس» الكثير من التفاصيل الصغيرة.

أمّا المحرك الرئيسي للتقدّم فإنه يجده في «ثقافة» تقوم على مبدأ «تحسين ما هو قائم». هكذا تمّ الانتقال من «الساعة الميكانيكية» في القرن الرابع عشر التي مثّلت «الاختراع الأكثر أهمية» للدلالة إلى «الخروج» من العصور الوسطى إلى «الساعة الحديثة». وعلى نهج «الانتقال» في تحسين «الساعة الميكانيكية» تمّ الشروع بتشكيل «مجموعات إنسانية منظّمة» بموازاة «بتنظيم الوقت».

كذلك بعد ‬30 سنة من اختراع المطبعة من قبل غوتنبرغ كانت هناك صحافة في أكثر من ‬110 مدن أوروبية. وبالإجمال عندما كان المخترعون «ينجحون»، كانوا يوسّعون من مجال ما يسميه المؤلف بـ«ثقافة التحسين» والتي ساهمت بدورها في تغيير ظروف عيش البشر. وهذه هي إحدى خصائص العالم الذي نعيش فيه اليوم. وبهذا المعنى أيضا ساهم الغرب في صياغة هذا العالم، حسب رؤية المؤلف.

 

 

الكتاب: ثقافة تحسين ما هو قائم

تأليف: روبرت فريدل

الناشر: معهد مازوشست التقني ــ ‬2010

الصفحات: ‬600 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

A culture of improvement

Robert Friedel

0102 -sserP TIM

600 p.