بعد أن كرّس الباحث الفرنسي المختص بالصين تاريخا وحضارة وحاضرا فيليب باكيه العديد من الأعمال لهذه البلاد، يقدم كتابا جديدا عن شخصية غير معروفة كثيرا لدى العالم رغم أنها قد لعبت دورا مركزيا في تاريخ الصين الحديث. وذلك تحت عنوان «السيدة شين كاي شيك، قرن من تاريخ الصين».

في هذا الكتاب يكشف المؤلف عن سيرة حياة السيدة الأولى للصين الجمهورية. ويؤكد أنها قد ساهمت في صناعة تاريخ الصين الحديث إلى درجة أن أحد الصحفيين قد كتب عنها أنّها كانت «أكبر رجل في آسيا» كما ينقل المؤلف. بل ويذهب إلى ما هو أكثر من ذلك عندما يقول إن دورها لم يقتصر على تاريخ الصين، بل تعدّاه إلى التاريخ العالمي مؤكدا أنه بدونها «ربما كان وجه العالم قد تغيّر».

فمن هي السيدة شين كاي شيك؟

من مواليد شنغهاي عام ‬1898، وتوفيت في نيويورك عام ‬2003. لقد ظلّت طيلة أربعين سنة السيدة الأولى في الصين ثم في تايوان. وهي سليلة أسرة ثرية كانت أختها الكبرى قد تزوجت من رجل أعمال صيني كان رئيسا للوزراء في أواخر عقد الثلاثينات من القرن الماضي، العشرين. وأختها الثانية تزوجت من «صن ياتا- صن» الملقّب بـ«أب الصين الحديثة» ثم أصبحت هي نفسها «رئيسة فخرية» للصين في عهد ماوتسي تونغ. وأخوها الأكبر أسس وهو في الثلاثين من العمر أول بنك مركزي صيني وأصبح وزيرا للمالية ثم للخارجية ثم رئيسا للحكومة خلال سنوات ‬1945-‬1947.

هذه التفاصيل يؤكد عليها المؤلف كي يقدم رؤيته القائلة أنه ما كان يمكن بدونها لشين كاي- شيك أن يعرف المصير الذي عرفته. ذلك أنها هي التي وفّرت له «أموال بورجوازية شنغهاي»، وهي التي ربطته، عبر زواج أختها مع «مؤسس الجمهورية»، بمراكز القرار، وهي التي عرّفت به على الصعيد الدولي عبر شبكة من المعارف والمبشرين.

ومن الأفكار التي تتردد في هذا الكتاب تأكيد المؤلف، بالاعتماد على العديد من المصادر ومن التحريّات الميدانية التي قام بها، أن المكانة التي اكتسبتها هذه السيدة في واشنطن، حيث أنها كانت قد تلقت دراساتها في الولايات المتحدة خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، هي التي تفسّر الدعم الكبير الذي قدمته الإدارات الأميركية لشين كي شيك بصورة كبيرة ومستدامة. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن صاحبة هذه السيرة قد لعبت دورا في صياغة تاريخ الصين، وبالتالي تاريخ العالم.

الملامح الأساسية التي يقدمها المؤلف للسيدة شين كان شيك هي انها كانت «سيدة نفوذ وسلطة» وأنه يصحّ عليها توصيف «امرأة دولة حقيقية» على غرار تعبير «رجل دولة حقيقي». ويحاول المؤلف تصحيح مجموعة الأحكام السلبية الصادرة في الغرب والعالم حيال الثنائي شين كاي شيك وزوجته. هذا في الوقت الذي يُعاد الاعتبار له في الصين نفسها رسميا، كما تتم الإشارة، على أساس حسّه الوطني ومساهمته في تحديث البلاد.

وبعد زواجها من قائد الصين شين كاي شيك عام ‬1927 لعبت دور وساطة «حاسمة» في علاقات بلادها مع الولايات المتحدة وفي لحظة يصفها المؤلف بـ«المصيرية» بالنسبة لبقاء الصين.

ويحدد المؤلف القول إن «مركز ثقل» هذه السيرة هو إلقاء الضوء على هذا الدور الذي لعبته صاحبتها على صعيد علاقات الصين مع العالم. وليس التركيز فقط على المصير الاستثنائي لصاحبتها، أي صاحبة السيرة. أما دورها في التاريخ العالمي فيجده في واقع أنها التقت بكبار ساسة القرن العشرين من تشرشل حتى غاندي ومرورا بخمسة رؤساء أميركيين هم روزفلت وترومان وايزنهاور وجونسون ونيكسون. وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أنها لم تلعب دور السكرتيرة والمترجمة لدى زوجها، بل كان لها رأيها في مختلف القضايا. وهذا ما تتم الإشارة إليه في مذكرات الرئيس الأميركي الأسبق ريشارد نيكسون.

ويحدد فيليب باكيه القول عبر ثماني سنوات من البحث والتقصّي أنه بدون السيدة شين كاي شيك، ودون ما مارسته من قوة جذب خلال عدة عقود على الولايات المتحدة، فإنه ما كان للمساعدة التي قدمتها أميركا للصين الوطنية أن تكون بتلك الدرجة من الضخامة ومن الاستمرارية. وإنه بدونها ربما كان لتاريخ الصين أن تغيّر.

ويؤكد المؤلف أن السيدة كاي شيك لم تكن غريبة عن الحصول بوعد من الرئيس الأميركي روزفلت عام ‬1943 أن يعيد الحلفاء والأراضي الصينية التي احتلتها الصين، ومن بينها تايوان. ولا يتردد المؤلف في القول إنه إثر انتصار الشيوعيين والوصول إلى السلطة في الصين عام ‬1947 كان نفوذ السيدة كاي شيك حاسما في المساعدة الأميركية لبقاء النظام الوطني على جزيرة تايوان، المسماة آنذاك «فورموزا». والنتيجة التي يتم الوصول إليها هي أن «مسألة تايوان» تسمم اليوم العلاقات الصينية- الأميركية، وهذا هو «جزئيا على الأقل» إرث السيدة شين كاي شيك.

الكتاب: السيدة شين كاي شيك: قرن من تاريخ الصين

تأليف: فيليب باكيه

الناشر: غاليمار ــ باريس ــ ‬2010

الصفحات: ‬776 صفحة

القطع: المتوسطة

Madame Chiang Kai-Shek: un siècle d?histoire de la Chine

Philippe Paquet

Gallimard ? Paris- 2010

776 p.