يتناول مؤلف الكتاب، المفكر الراحل محمد أركون، القضايا الراهنة الحساسة في مجتمعاتنا، مثل: الأصولية، الطائفية والمذهبية، سبب موت الفلسفة، سبب انهيار حضارة العصر الذهبي الكلاسيكي، سبب الانحطاط الذي تلا ذلك، سبب الصراع مع الغرب.
ويناقش أركون مجموع تلك القضايا من خلال ربطها بجذور التراث البعيدة. وهذه هي منهجية أركون المشهورة باسم المنهجية التقدمية التراجعية.
بمعنى أنه يسلط أضواء الماضي على الحاضر، وأضواء الحاضر على الماضي لكي يضيء الماضي والحاضر، في آن معاً. إذ لا يمكن فهم حاضر العرب والمسلمين جيدا، إن لم يتم فهم ماضيهم جيدا. فكل الإشكاليات الراهنة لها جذور عميقة في الماضي البعيد.
ويسيطر على فكر أركون موضوع النزعة الإنسانية في الفكر التنويري العربي الإسلامي. إذ لا تنوير بدون «أنسنة» أو نزعة إنسانية، بمعنى أن يكون الإنسان قيمة بحد ذاته، وليس أداة عابرة، زائلة، محتقرة. مثل ما هي في اللاهوت القروسطي. كما تعني النزعة الإنسانية محبة الإنسان واحترامه، بأنه قادر على إنجاز الأشياء العظيمة، ولولاه لما عمرت الأرض، ولما قامت الحضارات.
ويرى اركون أن هذه النزعة الإنسانية تجسدت في العصر الذهبي أو الكلاسيكي من عمر الحضارة العربية الإسلامية، أي طيلة القرون الستة الأولى من عمر الإسلام، وحتى موت ابن رشد وسقوط آخر معقل للفلسفة في الأندلس. وبلغت النزعة الإنسانية ذروتها في العصر البويهي، أي في القرن الرابع الهجري، حيث انتشر الأدب الفلسفي بشكل واسع، وازدهرت الحركة الأدبية والفلسفية في حواضر الإسلام، مشرقا ومغربا. وازدهرت العلوم العقلية، وأكدت نفسها في مواجهة العلوم النقلية أو الدينية.
وأفرزت هذه المرحلة العديد من المفكرين، مثل: التوحيدي- الذي دعي بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، ومسكويه والصاحب بن عباد وأبا الفضل وابن العميد وابن سينا وابن رشد وغيرهم الكثير، الذين شكلوا التيار الإنساني والعقلاني المستنير. إلا أن التيار الإنساني العربي لم يقطع مع الدين كليا، كما فعلت فلسفة التنوير في أوروبا، لكن التيار الإنساني العربي، كان من القوة التنويرية بحيث يمكن مقارنته بالتيار الإنساني الذي ازدهر إبان القرن السادس عشر، خلال عصر النهضة الأوروبية. ولهذا يمكن القول إن التنوير العربي سبق التنوير الأوربي إلى الوجود. لكن المشكلة هي انه أجهض بعد سقوط البويهيين ووصول السلاجقة الأتراك إلى السلطة. وهذا في حين أن التنوير الأوروبي ظل متصاعدا منذ القرن السادس عشر وحتى الآن. وهنا يكمن سبب تخلف عالم الإسلام وتقدم أوروبا. ومع موت ابن رشد عام (1198) ماتت الفلسفة العربية الإسلامية.
وغاب بذلك النقد والعقل التنويري، وسيطرت ثقافة التكفير التي أسس لها الغزالي ومن جاء بعده، ودخلنا في العصور الانحطاطية التي ترفض أي تسامح أو تعددية. فماتت النزعة الإنسانية، وظلت ميتة حتى فجر النهضة الحديثة في القرن التاسع عشر، عندما انتعشت من جديد على يد مفكري النهضة. وبالمقابل تلقف الغرب ابن رشد وباقي المتنورين العرب، وبنوا نهضتهم المقبلة عليها. حيث أصبح إحدى المرجعيات الكبرى في مختلف جامعات الغرب وتحول إلى تيار فكري كبير سيطر على أوروبا طيلة أربعة أو خمسة قرون. في الوقت نفسه كان جماعته أي المسلمون يحرقون كتبه أو يلعنونه ويتبرأون منه .
ويرى أركون أنه ينبغي علينا أن تؤسس علماً جديداً تحت عنوان سوسيولوجيا النجاح والفشل. وردا على السؤال المطروح: هل سيظل العالم الإسلامي مصرا على تقوقعه وظلاميته، أو سينفتح في العقود المقبلة على التنوير المعقول؟ ويرى أركون انه لكي نعيد للموقف الإنساني العقلاني اعتباره في العالم العربي الإسلامي، ينبغي أن نطبق على تراث الإسلام كله، ثلاث عمليات فكرية راديكالية: الانتهاك، الإزاحة، التخطي أو التجاوز. وهذا يعني ضرورة مراجعة التابوات أو المحرمات التراثية المتراكمة، على مدار الأجيال والقرون. ومن ثم زحزحتها في اتجاه فضاء المعقولية الذي دشنته الحداثة العلمية والفلسفية في الغرب، منذ عصر النهضة وحتى اليوم. وبعدئذ يتبين لنا الفرق واضحا جليا بين المقولات التراثية ومقولات الحداثة. ويمكن بالتالي أن نتجاوز الرواسب التراثية.
ويعزو اركون سبب انهيار حضارتنا الكلاسيكية والنزعة الإنسانية المرافقة لها، إلى عدة عوامل، أولها تفكك الدولة المركزية، وهي التي كانت تدعم النزعة الإنسانية العربية، عن طريق دعمها للفكر الفلسفي والعلمي، وتشجيعها للآداب والفنون.
وثاني العوامل هو تحول الطرق التجارية عن المنطقة العربية بعد القرن الثاني عشر أو الثالث عشر لمصلحة أوروبا. ويرى أركون أن الأديان التوحيدية الثلاث، تنتمي إلى تراث مشترك، وهو التراث الفكري الذي ساد حوض البحر المتوسط، على مدار التاريخ. وهو ينتقد تنكر الغرب لمبادئه التنويرية أثناء المرحلة الاستعمارية، عندما عامل أبناء المستعمرات كأنهم وسيلة لا كغاية بحد ذاتها..
الكتاب: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية
تأليف: محمد أركون
الناشر: دار الساقي بيروت 1102
الصفحات: 431 صفحة
القطع: الكبير