لا شك أن مسألة التغيّر المناخي هي أحد أكبر التحديات التي تواجهها الإنسانية في المرحلة الراهنة من تاريخها. والفيزيائي الأميركي، بورتون ريشتر، الحاصل على جائزة نوبل عام 1976، يقدّم كتابا حول هذه المسألة تحت عنوان: «ما وراء الدخان والمرايا». ويبحث فيه «التغيّر المناخي ومسائل الطاقة في القرن الحادي والعشرين».
يرد المؤلف في هذا الكتاب على أولئك الذين يعارضون الأطروحات القائلة بتغيّر مناخي وبأخطار محدقة بالبشرية. ويصوغ «على لسان» هؤلاء احتجاجا مفاده: وما هي علاقة فيزيائي، ولو كان حاصلا على جائزة نوبل عن أبحاثه حول الجزئيات «الغريبة» داخل الذرّات، بالمسائل المتعلقة بالمناخ؟. ويجيب على مثل هذا التساؤل بالتأكيد أنه بدأ بإجراء بحوثه حول مسائل الطاقة والمناخ منذ عام 1978 في إطار مجموعة مستقلة من رجال العلم كانت مهمتها هي تقديم الاستشارات للحكومة الأميركية حول المسائل السياسية الكبرى. ومن خلال هذا الدور أدرك مدى المركزية «السياسية» التي يحتلها النقاش الدائر حول مسائل الطاقة والمناخ.
ويقوم المؤلف، من موقع رجل العلم «المحايد»، كما يقول، بعملية تقييم لمجموعة الاقتراحات والأفكار المطروحة حول مسائل «سخونة المناخ» والنتائج «المأساوية» التي يمكن أن تترتب عليها. ويدرس في هذا الإطار واقع مصادر الطاقة المتوفرة في العالم اليوم من زوايا الطلب عليها وسبل التزوّد بها والخيارات المطروحات و«المتوفرة» من أجل الحدّ من انبعاث الغازات المؤذية للغلاف الجوي وللبيئة عامة.
وما يؤكده المؤلف هو أن كتابه موّجه للجمهور العريض من أجل تعريفه بالرهانات الدائرة حول مسألة «التغيّر المناخي والطاقة في القرن الحادي والعشرين»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب. وهو يفعل ذلك من عدة زوايا تتعلق بـ«ما نعرفه» وبـ«ما نحن لسنا متأكدين من صحته»، ثم من «زاوية الخيارات التكنولوجية» و«السياسية» المطروحة أمام المعنيين على شتى مستوياتهم.
وتتم الإشارة أولا إلى أن «الجمهور العريض» المعني، أي عامة البشر واقعيا، مأخوذ بين موقفين متطرفين. موقف «الناكرين» تماما لواقع وجود أي تغيير في المناخ وموقف «المبالغين» في حجم هذا التغيير وبالتالي في حجم النتائج المترتبة عليه. أما وسائل الإعلام فإنها «تقوم بصبّ الزيت على النار» في الاتجاهين. لكنها لا تقوم في واقع الأمر بأي دور حقيقي وفعّال من أجل توضيح المسائل موضوع النقاشات الدائرة. والخطة التي يتبناها المؤلف أمام هذا الوضع هي أن يشرح أولا بـ«لغة سهلة الفهم» ثم يضع في نهاية كل فصل مجموعة من الملاحظات «التقنية» موجهة لـ«أولئك الذين يرغبون الاطلاع على التفاصيل العلمية».
ويركز المؤلف على القول إن هناك إدراك «غائم»، لكن شامل لدى البشر اليوم بوجود «مشكلة» ولكنهم لا يعرفون بالدقة مدى عمق واتساع هذه المشكلة. من هنا لا يوجد أي اتفاق كامل حول الأفكار المطروحة عامة، وخاصة حول «الحلول التقنية» أو «الحلول السياسية» التي لا بد من الشروع بها «هنا والآن».
يتم التأكيد في هذا الإطار، بالنسبة للحالة الأميركية تحديدا، أنه ينبغي على جميع حكومات الولايات مهما كان لونها «جمهورية أو ديمقراطية» اتخاذ إجراءات للحد من انبعاث الغازات الضارة. لكن هذه المشكلة تأخذ بالأحرى «لونا سياسيا»، مما يعني معارضة كل «معسكر» للمعسكر الآخر.
وما يؤكد عليه المؤلف بأشكال مختلفة، هو ضرورة تبنّي عدد من الحلول «الذكية» والابتعاد عن بعض الحلول «الغبيّة». ويرى مثلا أن أفضل الأمور و«الحلول» في مجال التكنولوجيات اليوم هو تبنّي استخدام الغاز الطبيعي بدلا من الفحم وحيث إن كلفة مثل هذا التحوّل قليلة «نسبيا».
ما يؤكد عليه المؤلف هو أنه من أنصار اللجوء إلى استثمار الطاقة الشمسية ولكن المهم اليوم هو المباشرة في عمل ما يمكن أن تكون له فوائد كبيرة بأقل كلفة ممكنة. المهم اليوم هو «الفعالية» على مستوى الطاقة. والفعالية هي اليوم باللجوء أكثر فأكثر إلى «الغاز الطبيعي» كمصدر للطاقة بدلا من الفحم وحيث إن الطاقة النووية تثير الكثير من الجدل.
ويشرح المؤلف أن أحد أسباب «الجدل» الدائر حول التغيّر المناخي يكمن في كون أن «النضال» ضده سيمس الكثير من المصالح الاقتصادية. والمثال البليغ على هذه المصالح تلك الولايات ? الحكومات- الأميركية التي يشكل الفحم عصب مردودها الاقتصادي. بالمقابل هناك بعض الولايات التي يلعب فيها الغاز الطبيعي دور الفحم في «ولاياته».
من هنا لا بدّ من نشوب التوترات السياسية بين هذه وتلك. وما هو ساري المفعول بالنسبة للولايات الأميركية المختلفة يمكن تطبيقه أيضا على الصعيد العالمي حيث تتناقض مصالح البلدان والدول.
على الصعيد العالمي تتواكب التنمية الاقتصادية مع استهلاك الطاقة مما يخلق مشكلة كبيرة، وإرادة زيادة الناتج القومي تعني مباشرة زيادة استهلاك الطاقة وبالتالي زيادة كمية الغازات الضارة المنبعثة. حال البلدان النامية يقول للبلدان الغنية: «نحن فقراء كون أنكم أغنياء وعلينا تطوير استهلاكنا للطاقة كي نصبح أغنياء». وتقول البلدان المصنّعة: «نحن أغنياء ولا نريد أن نصبح فقراء عبر تقليص كبير لاستهلاكنا من الطاقة». وأمام مثل هذا الوضع لا بد من إيجاد «وسيلة سياسية فعالة لصياغة برامج تؤدّي إلى تقليص حجم الغازات الضارّة» من قبل الجميع.
ومن خلال الشرح والتفنيد ونقاش مختلف المواقف والمقترحات يصل المؤلف إلى القول إن نتائج تغيير المناخ لا تزال بعيدة زمنيا وربما لن تشهدها أجيال اليوم. لكن التحرك مطلوب الآن من أجل الأحفاد.
الكتاب: ما وراء الدخان والمرايا
تأليف: بورتون ريشتر
الناشر: جامعة كمبردج 2010
الصفحات: 242 صفحة
القطع: المتوسط
Beyond smoke and mirrors
Burton Richter
Cambridge University Press- 2010
242p.