يعتبر مؤلف الكتاب، جلال ورغي، أن التجربة الإسلامية التركية تبدو، في أيامنا هذه، الأكثر قرباً من العالم العربي، تاريخاً وجغرافيةً، والأوفر حظاً في أن تلهم العالم العربي، معالم تجربة فريدة في النهوض والتنمية. ويذهب إلى حدّ القول بأن تجربة التنظيمات العثمانية، وما صاحبها من إصلاحات في تركيا العثمانية، خلال القرن التاسع عشر، مثّلت تاريخياً التجربة الأكثر إلهاماً للعرب، في قضايا الإصلاح والنهوض، وتتأهل تركيا اليوم باقتدار لتلعب من جديد دوراً شبيهاً في عالم متغير، قد تكون فيه هذه التجربة أكثر نضجاً وأصلب عوداً من سابقتها، نظراً للتحول في موازين القوى واختلاف الأفق التاريخي بين تلك التجربة وتجربة القرن الواحد والعشرين.
ومن المهم التوقف ملياً عند التجربة التركية الحديثة والمعاصرة، بغية إبراز أهم معالمها ومحطاتها ومقوماتها، خاصة التطور والتغير المستمر الذي طاول علاقة الدين بالدولة فيها، وبالتحديد علاقة الدولة الأتاتوركية بالدين الإسلامي، ومن ثمة تبيان الديناميكية التي ميزت علاقة التيار العلماني بالتيار الإسلامي، وإظهار أهم المحطات المفصلية التي طبعت هذه العلاقة. وفي هذا المجال، يتناول المؤلف التجربة التركية منذ قيام الجمهورية الكمالية في العام 1923، محاولاً إعادة قراءة التجربة الكمالية من منظور مختلف وجديد ووضعها في سياقها التاريخي، وراصداً تجربة الحركة الإسلامية التركية وأطوارها المختلفة، وما عرفته من ديناميكية في التحول والتطور، وباحثاً في حدود الاستفادة من المثال أو النموذج التركي من قبل المهتمين في العالم العربي.
ويرى المؤلف أن العلاقة التي طبعت الدولة التركية في نسختها الكمالية بالحركة الإسلامية، بمختلف تياراتها، هي علاقة معقدة ومركبة، ومختلفة عن الفهم التبسيطي الذي يصور مسار التدافع بين الطرفين، على أنه مواجهة واضحة بين العلمانية التركية والإسلام، كونها أكثر تعقيداً من هذا التفسير الذي ينحو منحى أيديولوجياً ثقافياً ضيقاً.
ويجري النظر إلى موقع الدين في المشهد التركي الراهن، على الصعيد العام والخاص، بوصفه عاكساً للتطور الذي طرأ على الفكر العلماني، الذي وجد نفسه تحت ضغوطات الجدل والحوار الدائر بين نخبة من المثقفين الجدد، خصوصاً بعد أن بات التدين حالة عامة، بل ومقبولة حتى في الممارسة الشخصية للعلمانيين، مع الحرص في نفس الوقت على أن لا يتم الخلط بين الإسلام والسياسة، وأن لا يتم الانزلاق إلى الحالة المتوترة التي يشهدها الشرق الأوسط بسبب هذا الخلط، حسب رؤيتهم، ذلك أن الأساس الذي يوحد العلمانيين اليوم، هو أن لا تتم التضحية بالقيم الغربية التي تشبعوا بها، ولا المصالح التي وحدت بينهم.
ويخلص المؤلف إلى أن التجربة التركية تميزت بتقديم رؤية مختلفة لعلاقة الدين بالدولة، على امتداد مسارها وتحولاتها، وتوقع الدين في التجربة في العلاقة بالفضاءات الأخرى، بشكل مختلف عن السياقات العربية، وبشكل جعله حاضراً بقوة في مسارات التجربة التركية، تحييداً واستدعاء. ويعتبر المؤلف أن النجاح الذي حققه العدالة والتنمية، في انتخابات 2002 ثم 2007، مؤشراً على القدرة المتصاعدة للحركة الإسلامية.
حيث تحول هذا الحزب إلى فاعل أساسي ومحدد في المشهد السياسي التركي، بعد ان حصد أصوات أكثرية الأتراك، وأكثر من ضعف الأصوات التي حصدها حزب الشعب التركي، الذي يقدم نفسه المعبر والحارس الوفي والتقليدي لقيم الكمالية العلمانية، وما يزيد من أهمية ما حققه في الانتخابات ودلالاته العميقة هو أن الحزب الذي حققها لم يكن موجوداً قبل العام 2001.
وتبنى حزب »العدالة والتنمية«، بعد وصوله إلى الحكم في تركيا برنامجاً تنموياً إصلاحياً بعيداً عن الجدل الأيديولوجي، وشدد على احترام تقاليد العلمانية والتحرك ضمن الإطار العلماني، وعلى تنفيذ خطوات التحرير الاقتصادي، والإصلاح الهيكلي، والاندماج في الإطار الأوروبي عبر فتح الطريق أمام البلاد لاكتساب العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الشكوك والاتهامات ظلت تثار بقوة حول «أجندته الخفية»، وخاصة من طرف النخب العلمانية والعسكر وأصحاب المصالح والنفوذ التقليديين في البلاد.
ولم يلجأ الحزب، على الرغم من خلفيته الإسلامية، إلى تبني برنامج لـ«أسلمة» المجتمع، بل منح الأولوية في برامجه لدخول تركيا في النادي الأوروبي، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وإصلاح النظام القانوني، بما في ذلك إلغاء عقوبة الإعدام.
وقضايا مثيرة للجدل على غرار قانون منع الحجاب في المؤسسات، والحرص على تحديد دور العسكر في النظام السياسي، وتحويل مجلس الأمن القومي إلى مؤسسة مدنية، لا يهيمن عليها العسكر، وتوسيع مجال حرية الإعلام لصالح الأقليات، لا سيما الأكراد، والمصادقة على كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية.
ويجب فحص التجربة التاريخية التركية الحديثة، لاسيما »الكمالية« من منظور السياق التاريخي الذي انطلقت فيه. وهكذا يخلص المؤلف إلى أن النموذج «التركي» يشكل منوالاً يجسد فيه الإسلام عاملاً مهما في دينامكية الحياة السياسية، إلى جانب العامل القومي، وسعي تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع الدور النشط في قضايا وملفات الشرق الأوسط، ووضع طور جديد في العلاقة بالولايات المتحدة الأميركية، يتجاوز بالتأكيد العلاقة التقليدية خلال الحرب الباردة، وما بعدها.