عرفت ألمانيا خلال تاريخها الطويل مكانة ومصيرا متفرّدين في القارّة الأوروبية. وكانت باستمرار في مقدمة القوى الاقتصادية على مستوى القارة. لكن «من هم الألمان»؟ يتساءل جان لويس دو لافيسيير في عنوان كتابه الصادر مؤخرا في باريس.
كان المؤلف قد عمل لسنوات طويلة مراسلا ثم مديرا لمكتب وكالة الأنباء الفرنسية في ألمانيا عند سقوط جدار برلين وخلال فترة إعادة توحيدها. والصورة التي يرسمها لهذه البلاد وهي أنها «الأولى في الصف الأوروبي»، وأمّة عاملة، حققت ازدهارا كبيرا جعلها تتمتع بالوفرة وبمنظومة اجتماعية متقنة وتحقق درجة عالية من الضمان لأبناء المجتمع الألماني.
لكن «الألمان تؤرقهم فكرة الهوية»، كما يقول المخرج السينمائي «فولكر شلوندورف»، في المقدمة التي حررها لهذا الكتاب. أما المؤلف فيشرح أن حالة من التوتر تسود في ألمانيا منذ فترة من الزمن. هذا على خلفية الأزمة الاقتصادية ونتائجها، ومظاهر العجز المتعددة التي بدت على مسيرة التوحيد الأوروبي التي تشكل ألمانيا، مع فرنسا « محرّكها الرئيسي». هذا بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجهها فيما يتعلق بـسدمج» الموجات الجديدة من المهاجرين.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية. يخص الأول منها دراسة حالات «التفتح» و«الانكفاء». ويحمل الثاني عنوان «مجتمع حر وعلى درجة عالية من الانضباط». ويبحث الثالث المسار الألماني «من الخطأ إلى المصالحة». أما القسم الأخير فهو عن «ألمانيا اليوم عبر الذكريات».
يبدأ الكتاب بتقديم نبذة عن تاريخ ألمانيا. وتتم الإشارة إلى أن ذكر «الشعب الجرماني» ورد في نصوص لاتينية تعود إلى الحقبة الرومانية. أما المؤرخون فيتفقون على أن أصول «التراب الألماني» تعود إلى اتفاقية فيردان عام 843 التي أعطت لـ«لويس الجرماني» الجزء الشرقي من الإمبراطورية الكارولنجية.
وبعد سلسلة من الصراعات والانقسامات داخل أطر جغرافية تمثلت بالإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة توحّدت «الدول الألمانية» المشتتة والمتنافسة عندما أعلنت فرنسا الحرب على بروسيا عام 1870 وجرى الإعلان عن «الإمبراطورية الألمانية» في اتفاقية فرساي إثر هزيمة فرنسا في الحرب.
كان ذلك عام 1871 ونصت الاتفاقية أيضا على ضم منطقتي الألزاس واللورين الفرنسيتين لسلطة غليوم الأول. هكذا إذن قامت الوحدة الألمانية بقرار «من أعلى» وبـ«الحرب»، كما كان قد أراد ذات يوم «اوتو فون بسمارك». لكن ألمانيا الموحدة كانت وراء حربين عالميتين، الأولى خلال سنوات 1914- 1918 التي هُزت فيها، ثم الثانية خلال سنوات 1939- 1945 التي انتهت إلى تقسيمها بين ألمانتين، غربية وشرقية.
هذا المسار الألماني المضطرب يرى فيه مؤلف «من هم الألمان»؟ سببا عميقا في الطرح المستمر لمسألة «الهوية». وإذا كان ينطلق من الوضع الراهن للإجابة عن السؤال الذي يشكل عنوان الكتاب فإنه يعود إلى دراسة الماضي «القريب خاصة»، للتاريخ الألماني الخاص بالفترة النازية قبل أن يناقش مسألة إعادة التوحيد الألماني. ذلك على أساس أن تلك الفترة تشكّل أحد أثقال الماضي التي يحمل الألمان الحاليون وزرها اليوم. لكنهم يريدون بالوقت نفسه التخلّص من هذه العقدة ومن «جلد الذات». هذا كله كمقدمة من أجل «تأكيد الهوية» الألمانية في منظور الحاضر والمستقبل.
وما يؤكده المؤلف هو أن النقاش الفكري في ألمانيا اليوم هو أكثر ثراء بكثير مما يقال عامة. ولا يتردد في إظهار صورة إيجابية للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل التي يصفها بـ«التقدمية نسبيا وذات العقلية الحديثة» على الصعيد الاجتماعي. ويصل في فصل يكرّسه لها تحت عنوان «لغز انجيلا» إلى القول إنها تمثل في النهاية «الشخص المناسب لألمانيا التي تعتقد أن أيامها الجميلة قد انقضت».
ويولي المؤلف «الفرنسي» أهمية في تحليلاته للعلاقات الألمانية الفرنسية وآثارها على مسيرة التوحيد الأوروبية الراهنة. ويرى أن «تنوع أوروبا في اللاوعي الجماعي الجرماني قد يمكنها قبولها بصعوبة أقل مما هو لدى الفرنسيين. ذلك أن الألمان يألفون التفكير على أساس وجود قوى متعددة وتنوع ثقافي وحقوق محلية« بينما أن فرنسا تمتلك تقاليد ذات طبيعة مركزية عمرها أكثر من مائتي سنة».
تجدر الملاحظة أن المؤلف لا يقدّم الألمان خاصة من خلال الاقتصاد والشركات. ولكن بالأحرى من مجموعة ظواهر يرى أنها تعبّر عن حقيقة ما يشغل بال الألمان. هكذا يتحدث عن تلك المجموعات الإرهابية التي هزت البلاد خلال سنوات السبعينات الماضية «الجيش الأحمر الألماني».
وعن المسلسل التلفزيوني البوليسي «تاتور» الذي كان «يحبس أنفاس الألمان» كل يوم أحد منذ عام 1970. وكذلك عن صحيفة «بيلد» التي تتمتع بأكبر عدد من القرّاء في أوروبا لكنها صحيفة «موالية لألمانيا» قبل كل شيء.
إنه كتاب يبحث مؤلفه في ذاكرة الألمان وفي أعماق مجتمعهم «دون محظور». ويعتبر أن ألمانيا بلاد «لا تحب نفسها»، لكنها تعرف كيف تجعل الآخرين يحبونها.
الكتاب: كم هم الألمان؟
تأليف: جان لويس دو لافيسيير
الناشر: ماكس مالو باريس 2011
الصفحات: 382 صفحة
القطع: المتوسط
Qui sont les Allemands -
Jean - Louis De La Vaissière
Max Milo - Paris 2011
382p.