تعرف المكتبات الغربية بين الآونة والأخرى أعمالا ذات طابع مستقبلي إذ تحاول القيام بنوع من استقراء ما ستكون عليه حالة العالم الذي نعيش فيه في أفق السنوات والعقود القادمة. وآخر هذه السلسلة في فرنسا كتاب صدر في نهاية الشهر الأول من السنة الجديدة 2011 تحت عنوان: «العالم في أفق عام 2030»، لمؤلفه الباحث والكاتب نيكولا تينزر .
النتيجة الأساسية التي يتوصل لها المؤلف من تحليلاته تتمثل في تأكيده أن المنظومة العالمية التي ترتسم في الأفق سوف تكون بعيدة جدا عن الحالة القائمة اليوم. إنها منظومة ستقوم برأيه على سبع ركائز أساسية يحدد المؤلف الركيزة الأولى بقيام «عالم بلا أقطاب وبدون مناطق إقليمية ذات بنية متماسكة». وهذا ما يشرحه تحت عنوان «وهم تعددية الأقطاب».
والركيزة الثانية هي توزيع جديد للثروات في العالم وهذا ما يكرّس له المؤلف فصلا يصل في محصلته إلى القول أن الصين سوف لن تكون في أفق عام 2030 مصدر تهديد للاستقرار الدولي، كما يتم تقديمها اليوم، بل هي ستكون بالأحرى عامل استقرار، هذا على عكس روسيا التي ربما أنها سوف يتضاءل حضورها في المشهد العالمي العام.
وذلك على أساس أن روسيا تعاني من عدة نقاط ضعف اليوم في مقدمتها أنها لا تنتمي إلى تحالف قائم منذ انهيار الحلف الذي كان الاتحاد السوفييتي السابق قد أقامه مع «الدول التي كانت تدور في فلكه والبلدان الشقيقة»، كما يكتب مؤلف هذا الكتاب.
وما يؤكد عليه المؤلف بالنسبة لروسيا أيضا هو نضوب المواد الأولية التي تمتلك عليها اليوم وفي مقدمتها مصادر الطاقة من بترول وغاز والتي تشكل المورد الأساسي للاقتصاد الروسي. وبالتوازي مع هذا يتم التأكيد أيضا على أن التقهقر الروسي لن يكون اقتصاديا فحسب، ولكنه سوف يكون سياسيا أيضا. ذلك على أساس أن «الدولة الروسية قائمة على كذبة كبيرة تتمثل في القوة الروسية غير الفاعلة بذاتها». أمل النجاة «الروسي» الوحيد يراه المؤلف في بروز شخص مثل «دينغ هسياو بينغ» الذي قاد الصين إلى ما هي عليه.
الحالة الروسية هي تماما على عكس ما يرى أن تصبح عليه الصين في أفق نهاية العقدين القادمين. ذلك أن تطوّر السوق الداخلي الصيني سيجعلها «أقل عدوانية» في الأسواق الدولية. كذلك على خلفية الإحساس أنها مهددة بدرجة أقل فأقل من البلدان المحيطة «المنافسة» لها مثل اليابان وكوريا، قد تصبح الصين «عاملا لإعادة التوازن في منطقتها» بل سيساهم ذلك في «زيادة احترامها للحريّات العامة».
الركيزة الثالثة في عالم 2030 يحددها المؤلف في تدعيم دور الدول التي ستغدو «أقل توازنا وأكثر قوة»، كما جاء في عنوان الفصل المكرّس لها. هذا على خلفية قاعدة يؤكد عليها المؤلف باستمرار في كتابه وهي أن العالم سوف يكون محكوما في الغد بـ «حالة من اختلال التوازن».
وفي إطار مثل هذه الحالة ستحاول روسيا أن تلعب دور القوّة الكبرى،رغم ضعف سوقها الداخلي وتراجع عدد سكانها واستشراء حالة من الفساد فيها. أمّا البرازيل فستتم دعوتها «لالتقاط الصور التذكارية مع عمالقة الغد، أي الولايات المتحدة والصين والهند». هذا على غرار تركيا التي ستغدو قوة اقتصادية كبرى. وتشير التحليلات أن الدولتين، البرازيل وتركيا، يرتبط دورهما المستقبلي بمدى تثبيت قوتهما السياسية.
بالنسبة لآسيا يحدد المؤلف الدول المرشحة للعب دور أكبر في كل من فيتنام وتايلاند وماليزيا. وهذه الأمور كلها يتم تحديدها على أساس «معايير جديدة للنفوذ» تشكل الركيزة الرابعة التي سيقوم عليها عالم 2030، وفي مقدمة هذه المعايير التأكيد على أن «قوة النفوذ» التي تتحدد عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية ولكن على أساس الدينامية والدور في تدعيم السلام والاستقرار في العالم.
الركيزة الخامسة تتمثل في قيام عالم «أكثر ثراء» لكن في ظل «نظام دولي أكثر تنافرا». وهو أيضا عالم سيواجه على خلفية «اختلال التوازن» المخاطر وسيعرف النزاعات والحروب لكن دون الوصول إلى «نهايته»، كما تقول التوقعات المتشائمة. كذلك لن يشهد أزمة طاقة كبيرة. ذلك أنه يُفترض الوصول إلى «توازن» بين الدول المنتجة المدركة جيدا لمصالحها وبين الدول المستهلكة التي ستتوصل إلى تنويع كبير لمصادر تزويدها بمصادر الطاقة.
الركيزة السادسة تتمثل في بروز «قوى جديدة في موازين القوى» عبر مشربين أساسيين. الأول هو بروز تسلسل هرمي جديد في بين القوى الدولية تبرز فيه الصين والهند وتركيا والبرازيل بينما سيتراجع دور أوروبا. أما الضحية الأكبر فسوف تكون إفريقيا المهددة بالتطرف والفوضى، هذا دون إمكانية التعرّف على ما ستؤول إليه بعض دول القارة السوداء «الصاعدة» وعلى رأسها جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا.
بالنسبة لأوروبا، سيتواصل تدهورها كـ«كيان موحّد». لكنها سوف «تجد العزاء» في رؤية الأمم المتحدة والمنظمات الكبرى الدولية والإقليمية ينحسر دورها لصالح الدول. وهناك دول أوروبية قد تتجنب التدهور أكثر من غيرها وفي مقدمتها ألمانيا بالطبع واسبانيا إذا نهضت اقتصاديا وإيطاليا بفضل صناعتها. أما فرنسا وانجلترا فـ«عليهما أن تستيقظا»، كما يلخص المؤلف القول. و«أوروبا ستكون دائما منطقة لسيادة القانون ولكن ليست منطقة للقوة».
الركيزة السابعة هي بروز قادة جدد للعالم. وهنا يناقض المؤلف تماما مقولة صموئيل هنتنغتون القائلة أن «العالم سوف ينتظم حول سبع أو ثماني مناطق حضارية مع وجود دولة قائدة في كل منطقة». وأميركا؟ «ستبقى القوة الوحيدة القادرة على ممارسة دبلوماسية سياسية واقتصادية وفكرية عالمية بحق».
الكتاب: العالم في أفق 2030
تأليف: نيكولا تينزر
الناشر: بيران باريس 2011
الصفحات: 302 صفحة
القطع: المتوسط