السعادة هدف أساسي وجوهري، إن لم يكن الهدف الأساسي والجوهري، في حياة البشر. لكن «بلوغ السعادة أصعب وأكثر تعقيدا من التصوّر السائد»، كما تقول سيسيلا بوك ، أحد أهم الفلاسفة الأميركيين والعالميين الراهنين، في علوم الأخلاق. وتكرّس كتابا كاملا تحت عنوان «اكتشاف السعادة» تتقصّى فيه آليات البحث عن السعادة «منذ زمن أرسطو وحتى علوم الدماغ الحديثة»، كما جاء في عنوانه الفرعي.

الموضوع الأساسي لهذا الكتاب هو طرح التساؤلات ومحاولة الإجابة عليها حول طبيعة السعادة والمكانة التي تحتلها في الفكر الفلسفي وفي مختلف الأدبيات عبر العصور. هكذا يجد المؤلف نفسه أمام كمّ كبير من المفاهيم حول السعادة كما بدت في فكر الفلاسفة اليونانيين القدامى وحتى أطروحات الدالاي لاما. وكذلك كما قدّمتها النظريات المتقدمة لعلماء النفس والاقتصاد والباحثين في مختلف مجالات العلوم العصبية.

ومن الملاحظ أن مؤلفة هذا الكتاب تبتعد، عن قصد، عن سلسلة الأطروحات العديدة التي تقدّم تعريفات «مجرّدة» للسعادة والتي ترى بها أحيانا نوعا من «التهويمات». ولكنها «تغرف من منجم الملاحظات المباشرة» لكيفية عيش السعادة من قبل الناس العاديين أو من أصحاب الشهرة. هكذا تتحدث أولا عن حالتها الشخصية. تقول: «بالنسبة لحالتي الشخصية، أستطيع القول إنه لولا ولع أمي بالأفكار الجديدة عن السعادة ما كان لي لأرى النور في أي يوم من الأيام».

وتضيف: «أمّي، النا ميردال، كانت على وشك الموت بعد أن تعرّضت للإجهاض وتبع ذلك ظهور ورم كبير بالرحم. طلب منها أطباؤها إجراء عملية استئصال الرحم وحذّروها أن أي حمل قادم يعرّضها للموت.

لقد رفضت بشكل قاطع أن تصبح عقيمة. كانت على قناعة على أساس دراستها مع عالم النفس الفريد اولر، أن الأسر ذات الطفل الواحد تعرف القليل من السعادة. وأرادت أن يكون للطفل الوحيد الذي أنجبته، أخي جان، الذي كان يبلغ الثالثة من العمر،أخا.

وتروي المؤلفة أنها وجدت بعد خمسة عقود من الزمن رسالة كان والدها قد كتبها ودعم فيها قرار الأم برفض أن تصبح عقيمة. وقررا معا إجراء عملية أكثر صعوبة ودقة تتمثل في استئصال الورم فقط. ومما كتبه الأب آنذاك: «إننا نضع النتيجة بيد القدر. لقد حالفنا الحظ الرائع دائما حتى الآن بكل ما شرعنا فيه ولا أفهم لماذا لا يتكرر الأمر من جديد».

قراءة تلك الرسالة دفع المؤلفة إلى تحديد بعض لحظات السعادة بمشاعر أولئك الذين يدركون «السعادة» بعد تجربة مواجهة الموت مثل الشفاء من مرض عضال أو من زوبعة أو من حادث طائرة.

والوعي أيضا بالوقت نفسه بمدى «المغامرات الغريبة وغير المحسوبة» التي يتعرّض لها الكثير من البشر. وتحدد المؤلف القول: «إننا نصبح جزئيا ما نحن عليه تبعا للطريقة التي نجيب فيها على الظروف المتبدّلة التي ترتسم حياتنا في مواجهتها.

إن السعادة تغدو في مثل هذا المنظور هدفا ينبغي البحث عنه ومتابعته، مثلما هو الحال في الأساطير والحكايات الشعبية عن أولئك الشباب الذين يرحلون للبحث عن حظهم في الحياة. إنهم لا يملكون أي ضمان للنجاح و«لا شيء يضمن أن السعادة استحقاقا لهم. بل عليهم تجاوز مناطق مجهولة وأخذ مخاطر على مستوى الرهانات. لكن أحيانا قد يعودون وأيديهم فارغة من كل شيء». المهم هو أن يستطيعوا المحافظة على موقع «متوازن» من الحذر الشديد من أولئك الذين يزعمون أن هناك طريقا واحدا للسعادة.

وبهذا المعنى يمكن فهم الهدف الذي حددته المؤلفة من هذا الكتاب وأنه «ليس بحثا عن كيفية إيجاد السعادة، وليس أبدا تحديد معايير ومقاييس على الآخرين تطبيقها للوصول إليها. لكن الجوهري هو محاولة «التعرف أكثر على طبيعتها وعلى الأدوار التي يمكن أن تلعبها في حياة الإنسان».

وفي محصلة البحث عن السعادة تؤكد خلاصة التحليلات التي تصل إليها المؤلفة أنه ليست هناك «صيغة سحرية» لبلوغها. لكن بالأحرى ينبغي توفّر مجموعة من العوامل الواضحة مثل التمتع بصحة عقلية سليمة وبعلاقات اجتماعية متينة وبعض الإمكانيات المادية التي تجنب الجري المستمر وراء لقمة العيش.

وتؤكد المؤلفة أن دروس التاريخ تدل على أن «السعادة انبثقت دائما من خلفية الألم».

إنها تشير في هذا الإطار إلى إعلان الاستقلال الأميركي الذي انبثق من لحظة استثنائية من غياب الأمن والتهديدات المسلّطة على الحياة وعلى الحرية».

ولعل الرسالة الأهم التي يحتويها هذا الكتاب تتمثل في تأكيد المؤلفة أن «موضوع السعادة لم يكن أبدا ترفا ينبغي تأجيله إلى زمن أكثر صفاء وسلاما.

 

 

الكتاب: اكتشاف السعادة، من ارسطو إلى علوم الدماغ

تأليف: سيسيلا بوك
الناشر: جامعة يال ــ ‬2010
الصفحات: ‬218 صفحة
القطع: المتوسط

 

 

Exploring happiness
Sissela Bok
Yale University Press- 2010
p.