«أكل لحوم الحيوانات» عنوان كتاب للباحث والروائي الأميركي الشاب جوناثان سافران فوير. وتجدر الإشارة بداية أن هذا العمل ليس رواية بل هو أشبه بتحقيق صحافي أثار اهتماما كبيرا ونقاشات حامية جدا عند صدوره في الولايات المتحدة.
الأميركيون يحبّون الحيوانات. إنهم يحبونها حيّة. البرهان يوجد في الولايات المتحدة 46 مليون كلب و38 مليون هر وهرة، و170 مليون سمكة في أحواض مائية بالمنازل. لكنهم يحبونها أيضا من أجل ذبحها. تدلّ الإحصائيات المقدّمة أن الأميركيين «يلتهمون» سنويا 33 مليون ثور و115 مليون خنزير و9 مليارات من الدواجن.
على خلفية مثل هذه الإحصائيات ذات الدلالة الواضحة على «المكانة» التي تكتسبها الحيوانات في أميركا، وفي العالم، يطرح المؤلف عددا من الأسئلة مثل: لماذا الإنسان هو من أكلة اللحوم؟ وهل مثل هذا «الاستخدام» للحيوانات مشروع أخلاقيا؟ وكيف يعامل البشر الحيوانات التي يأكلونها؟
إن المؤلف وفي محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة يناقش مسألة «أكل الحيوانات»، كما جاءت في الأساطير والعقائد والتقاليد العائلية والوطنية. كذلك يقوم بالمقابل بعملية استقصاء «شخصي» للمسألة ابتداء من ذكريات طفولته وحتى المعلومات الفلسفية وغيرها المكتسبة من المدارس والجامعات.
«هل ينبغي أكل لحوم الحيوانات»؟ مثل هذا السؤال لم يخطر على بال الكثيرين، كما يشير مؤلف الكتاب، إنه، كما يعتبره، سؤال «بسيط» ظاهريا لكنه سؤال «ثوري» إلى حد كبير بمضمونه. وهو يطرح من خلال مجموعة من المقولات الأخلاقية على خلفية مشكلة عادية ولكن يتم تجاهلها بشكل كبير.
ويعبّر المؤلف عن مضمون هذه المشكلة بالسؤال التالي: هل يحق لنا أن نكون وراء ألم وموت كائنات حية من أجل إشباع متعتنا الجماعية، بينما بقاؤنا كبشر مهدد؟ وسؤال آخر: هل يمكننا أن نتحمّل «دون خجل» القسوة والمشاكل الصحية المترتبة على البحث عن زيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة الربح، من وراء صناعات اللحوم؟
إن المؤلف يعود باستمرار إلى الإحصائيات التي يضع بعضها كتصدير لكل فصل من فصوله. هكذا نفهم أن «قطاع تربية الحيوانات للصناعة تساهم بنسبة 40 بالمائة في سخونة الأرض أكثر مما تسببه عمليات النقل كلها في العالم». وتقول إحصائية أخرى أن «العلم يربّي اليوم 50 مليار من الطيور الدواجن كل سنة». ويؤكد المؤلف أنه لا يمكن للمرء أن لا يرى مثل هذه الحقيقة بخطوطها العريضة على الأقل، هذا «إذا لم يكن أعمى أو يسكن في كوكب المرّيخ». في المحصلة يؤكد المؤلف أن «الحيوانات يتم التعامل معها قانونيا واجتماعيا كأنها سلع». ويشير هذا ما يعرفه الجميع، وما يجهله الجميع بالوقت نفسه.
بالطبع لا يكتفي المؤلف بتقديم الأرقام والإحصائيات ولكنه يقوم بـ «مقاربتها» بالتداخل مع تجربة حياته ومسار طفولته وزواجه وكون أنه أب وبالإشارة إلى إعجابه الشديد بجدّته التي كانت تغذيتها تتألف «من مزيج من الرعب والكرامة والاعتراف بالفضل وبالثأر وبالفرح وبالإذلال والتديّن والتاريخ، وطبعا الحب».
وما يؤكده المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب هو أن عمله ليس أكاديميا ولا يطمح في أن يصبح «مرجعيا» في موضوعه ولكنه يريد أن يتحدث، بلغة ضمير المتكلّم، عن ما يسميه بـ «مأساة اللحوم المعذّبة».ويقول: «أنا المكان المفتوح الذي يختلط فيه العقل مع العواطف والانفعالات». ولكنه لا يخفي أن له هدفا «متواضعا» من هذا العمل وهو أن «يتغذى البشر بطريقة مختلفة قليلا».
هذا بمعنى أن «يدركوا» ماذا يأكلون في الحقيقة. يقول: «إننا نعيش وضعا غريبا. ونحن نتفق جميعا عمليا، على القول أن طريقنا للتعامل مع الحيوانات ومع الوسط المحيط ذات أهمية كبيرة. لكن نادرين مع ذلك أولئك الذين يولون بيننا انتباها كبيرا لعلاقتنا الرئيسية مع الحيوانات والوسط المحيط».
ويشرح المؤلف كيف أن القوى الاقتصادية القوية في الولايات المتحدة، ميدان تحقيقاته الميدانية، استطاعت أن تخلق «مناطق» يتم فيها خرق القوانين باستمرار حيث لا يراعي مربو المواشي والدواجن القوانين النافذة وبعيدا عن أي عقاب». هكذا مثلا قامت وزارة الزراعة الأميركية بـ «استثناء الدجاج» من تفسيرات إجراءات القانون الخاص بطريقة الذبح. ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن النتائج المترتبة لتربية الحيوانـــات المكرّســـة لإنتـــاج اللحـــوم صناعيـــا «تثير القشعـــريــــرة».
ويؤكد المؤلف أن ما توصّل إليه من خلال بحثه وتقصيه وملاحظته يثير الرعب، ذلك أن الكثير مما وضعه يفوق كثيرا ما كان يمكن أن يتصوره. ولهذا اختار أن يأخذ هذا الكتاب صيغة الدراسة «الأكثر مصداقية» وليس الرواية، وهو الروائي المعروف.
وكتاب- مرافعة أيضا لانتهاج النمط النباتي في التغذية. وتقول إحدى الجمل الأخيرة: «إننا لا نستطيع ادعاء الجهل، ولكن اللامبالاة. ولحسن الحظ إننا نعيش في زمن يرتفع فيه النقد ضد التربية «الصناعية للحيوانات».
الكتاب: أكل لحوم الحيوانات
تأليف: جوناتان سافران فوير
الناشر: هاشيت أميركا - نيويورك - 2010
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
Eating animals
Jonathan Safran Foer
Hachette Books - New York - 2010
.p