ترددت كثيراً المقولة الشائعة عن أن الولايات المتحدة هي بلد المهاجرين بامتياز، وبالتالي هي بلد الديمقراطية بامتياز أيضاً. ذلك أن فكرة الهجرة نفسها تجسد الالتزام الأميركي «البلاغي» بالديمقراطية. لكن الواقع العملي يشير إلى أن السياسات الأميركية السارية في أميركا خلال السنوات القليلة السابقة تقول عكس ذلك، إذ إنها تقوم على مبدأ «مكافحة الهجرة»، وهذا يمثل بحد ذاته «نكوصاً واضحاً» للممارسة الديمقراطية. والأستاذ الجامعي الأميركي المهتم بشؤون الهجرة والمهاجرين في بلاده روبرت كوليش يكرس كتابه «الهجرة والديمقراطية الأميركية» لهذا الموضوع.
إن المؤلف يكرس تحليلاته في هذا العمل لتبيين «أشكال العجز» التي تعاني منها الديمقراطية الأميركية في ممارساتها مع النهج «الليبرالي الجديد» وعبر تقنيات «الرقابة الاجتماعية». وتجدر الإشارة أن المؤلف يعتمد كثيراً على معرفته للواقع العملي للهجرة في أميركا من خلال التجربة التي عاشها عندما انضمّ لمجموعة من المهاجرين على الحدود المكسيكية-الأميركية ودخوله معها إلى الولايات المتحدة وصولاً إلى تكساس، حيث اشتغل في أوساط المهاجرين واللاجئين.
ومن أشكال التجاوزات الأميركية للديمقراطية يشير المؤلف أن الهجرة خدمت كـ«مختبر» لتطبيق مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة». هكذا جرى «خرق القانون الساري» بأشكال عدة كانت نتيجتها الأساسية هي «الحد من الحريات المدنية». ولا يتردد المؤلف في القول إن الديمقراطية، كانت «ضحية» حقيقية لمثل هذه الممارسات. ويقول بتوصيف ممارسات تيارين عريضين في أميركا تباينت سياساتهما بين «القوى الديمقراطية» و«القوى المناهضة للديمقراطية» في ميدان الهجرة.
ويحدد المؤلف أحد المنعطفات في اتجاه كبح الهجرة في فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001. هكذا جرى في عام 2003 إلغاء «إدارة الهجرة والتجنّس» كمؤسسة عدلية قائمة بذاتها وإلحاقها بـ«إدارة الأمن القومي». هذه الإدارة جرى تحديد مهمتها بـ«تجميع الحد الأقصى من جهود الحكومة الفدرالية للدفاع عن الوطن، وحيث يكمن الهدف الأول في أن تكون أميركا أكثر قوة وأكثر أماناً وأكثر وثوقاً بنفسها». وكانت الخلفية العملية المعلنة هي «الوقاية من الاعتداءات الإرهابية ضد الولايات المتحدة». وبشكل عام يمكن تلخيص الهدف المعلن بتعزيز «الجبهة الداخلية».
كانت ترجمة تلك الأفكار على الحدود هي إعطاء الأولوية لمنع تسلل «الإرهابيين» خاصة، ومنع الأجانب «غير النظاميين» إلى الولايات المتحدة. وكان الرئيس الأميركي السابق جورج والكر بوش قد أصدر «توجيهاً رئاسياً» يقضي بـ«مكافحة الإرهاب عبر سياسات الهجرة». مثل هذا التوجيه أدى إلى تقوية الروابط بين «مكافحة الهجرة والأمن والبيرقراطية».
هكذا شهدت الولايات المتحدة بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 تعاوناً متعاظماً أكثر فأكثر بين الحكومة الفدرالية «المركزية» وحكومـــات الولايـــات في ما يتعلق بتنفيذ القوانين الخاصة بالهجرة، وكذلك بين الحكومة الفدرالية والقوات العسكرية المنتشرة على طول الحدود. وكانــت النتيجة هي أيضاً تعاظم عدد الأجانب في السجون ومراكز الحجز الأميركية وزيادة مدة احتجازهم.
هذا بالتوازي مع زيادة عدد أولئك الذين تمّ طردهم من الولايات المتحدة لأسباب «لا تتعلق بالإرهاب»، كما يحدد المؤلف القول. وسرت بالوقت نفسه ممارسات لا تتفق مع القوانين النافذة في ما يتعلق بعمليات التحقيق «السري» بعيداً عن أنظار الأهل والصحافة والرأي العام. ولم تكن معايير الجنس والإثنية والمعتقد بعيدة عن الذهنية التي تتم فيها تلك الممارسات كلها.
والظاهرة الأكثر إثارة في مجال سياسات الهجرة يجدها المؤلف في لجوء بعض الولايات إلى نوع من «خصخصة» السجون. وإذا كانت هذه الظاهرة ليست جديدة، حيث بدأت ملامحها في مطلع عقد الثمانينات الماضي. ويتم تحديد ولادتها في ولاية «تنسي» عام 1980 عندما جرت عملية جمع الأموال للحملة الانتخابية للمرشح آنذاك رينالد ريغان. هكذا أصبح السجناء من المهاجرين بمثابة «سلعة» يتم «بيعها» للقطاع الخاص مثل «سيّارة أو وجبة همبرغر».
وجاء ما يسمى بـ«ميثاق الوطنية» - باتريوت اكت - ليعطي للادعاء العام سلطة احتجاز المهاجــرين الذين يعتبرهم خطراً على الأمن القومي. بل وأصبحت السلطات المسؤولة عن الهجرة قادرة على احتجاز أشخاص إلى أمد غير محدود دون أن يتم توجيه أية تهمة محددة بارتكاب جريمة أو خرق قوانين الهجرة. ودون أن يكونوا موضوع أي قرار «بالإبعــاد» عن البلاد. ثم إن هذه السلطات تجد لا نفسها مرغمة على تقــديم الأسباب الموجبة للمعنيين - المحتجزين - الكامنة وراء احتجازهم وليس هناك أي ضمان بحقّهم في الاحتجاج.
ومن الملاحظ أن المؤلف لا يرى في الممارسات «غير الديمقراطية» القائمة سلوكيات جديدة في الولايات المتحدة، ولكن الجديد هو أنها «تعمّقت» و«تجذّرت» و«اتسعت» في الحقبة الراهنة. وخاصة منذ فترة إدارة جورج والكر بوش.
وبعد أن يقوم المؤلف على مدى فصول الكتاب بـ«تشريح» سياسات الهجرة الحالية في الولايات المتحدة، يختم الكتاب بعدد من «النصائح» حول الطريقة التي يمكن للقوى الديمقراطية في أميركا أن «تكسب معركة» سياسات الهجرة. فالهجرة تشكل «الإطار» الذي يحتوي التاريخ الأميركي.
الكتاب: الهجرة الديمقراطية الأميركية
تأليف: روبرت كوليش
الناشر: روتلدج - نيويورك
2010 الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Immigration and american democracy
Robert Koulish
Routledge- New York - 2010
. p240