لماذا الشعر؟ ذلك أنه الرابطة التي تؤدي إلى الذات وإلى الآخرين وبدونه لا يمكن العيش حقيقة؟ هذه هي إحدى الإجابات التي يقدمها الناقد الأدبي والفيلسوف الفرنسي فابريس ميدال، صاحب ما يزيد عن عشرة كتب حول الفن والأدب والفلسفة، في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان نفس الاستفهام: «لماذا الشعر»؟

إن المؤلف يناقش في هذا الكتاب مجموعة الأفكار السائدة حول الشعر وكيفية قراءة الناس له وآليات فهمه. وتأتي تحليلات هذا الكتاب بلغة شعرية نفسها عندما يصفه فابريس ميدال أنه «الجسر والباب والعالم» وحيث يتجاوز جميع «التهويمات» التي تختزله إلى بعض الصور أو «أداة» لولوج دروب التجريب. وما يؤكده هو أن «الشعر يقول الحقيقة». ويحرر البشر عبر ذلك من الحسابات الصغيرة ومن مختلف وجوه الإيديولوجيا التي تحكمها المصالح بالضرورة. الشعر هو «الشجاعة نفسها»، كما نقرأ.

ويجد المؤلف رمز الشعر في الغرب بالشخصية الأسطورية «اورفي» الذي كان اجتاز أهوال الجحيم مدفوعا بعاطفة حب كبيرة. وكانت قوة جذب أشعاره قوية إلى درجة أن الحيوانات الكاسرة كانت تأتي للاستماع إليه، كما تقول أسطورته.

لكن الشعر، كما يراه المؤلف، لا ينتمي إلى عالم الأساطير ولكن إلى عالم الحقائق الملموسة. إنه يعتبره «حارسا» للحضارة. وهذا بعض دور الشاعر فيما هو أبعد وأكبر وأعمق من عمل المثقفين «المشبوه بالتعريف»، كما ينقل عن الكاتب جورج برنانوس. ذلك على أساس أن المثقف هو الذي يمنح نفسه صفة «المثقف» على أساس المعارف والشهادات التعليمية التي يمتلكها. هذا على عكس العالم أو الفنان أو الكاتب الذين تحرّكهم رغبة الاكتشاف والإبداع وليس دواعي «الحرفة».

ثم إن المثقف محكوم في أغلب الأحيان باللون السياسي الذي ينتمي إليه وبالتالي الذي يشكل دوافعه في التحرك دون الاهتمام كثيرا بالحقيقة التي «لا يبحث عنها أصلا»، بل بالمصالح. وهو لا يتردد في هذا الإطار عن «إلقاء الدروس على الآخرين»، ولا يكون بعيدا في حالات كثيرة عن حسابات تحقيق الغايات الخاصة التي يسعى لتحقيقها، بل وعن مشاعر الحقد والبغض حيال من لا يشاركوه قناعاته.

أما الشعر فهو في موقع آخر، إنه يحمل «جذوة الحقيقة» التي يحتاج لها البشر بعمق. الشعراء الذين قصدهم المؤلف والذين يرى أن شعرهم يحمل الحقيقة هم من أمثال «ارتور رامبو» و«بول سيلان» و«مارينا تزينتاينا» وغيرهم. ويجد القاسم المشترك بينهم جميعا أنهم عاشوا حياة فيها الكثير من التوتر والألم غالبا ذلك أنها «كانت على علاقة بالألم الذي يعاني منه العالم». ويضيف المؤلف أن كل شاعر «حقيقي» لا بد وأن «يجتاز الجحيم» مثلما حصل مع «اورفي»، كما تقول أسطورته.

والشاعر «الحقيقي»، كما يصفه المؤلف، هو من أبعد الناس عن «إلقاء الدروس» على الآخرين. إنه يقدّم فقط «شهادته» كما يعيشها. وبهذا المعنى ينقل عن فولتير قوله «الفلاسفة هم أعلى مرتبة من البشر الآخرين». والمؤلف يجد الأمر نفسه بالنسبة للشعراء الذين تحمل أشعارهم «جذوة الحقيقة».

ويجد فابريس ميدال مرجعيته في ذلك لدى الشاعر «اوسيب ماندلستام» الذي يصفه أنه أحد أكبر شعراء القرن العشرين، والذي توفي في أحد معسكرات الاعتقال التي أقامها ستالين أثناء حقبة التصفيات التي فرضها عام ‬1938، وكان ماندلستام قد أكّد قبل وفاته بفترة وجيزة أن الشاعر هو: «صديق كل حي في المعمورة». الشعر يذهب إذن نحو العمق، أمّا الثقافة فهي من «ملحقات» الروح.

وإذا كان الشاعر «بول سيلان» قد وصف الشعر أنه «اليد الممدودة» نحو الآخرين لا يسعون إلى الإمساك بها. بل على العكس لا يلقى الشعراء الكثير من التعاطف من قبلهم. وهذا ما وجده المؤلف في قول للكاتب «فرانز كافكا»، يعود إلى بدايات القرن العشرين وجاء فيه: «إن الشعراء يمدّون أيديهم باتجاه البشر. لكن البشر لا يرون فيها أياد صديقة ولكن قبضات تستهدف عيونهم وقلوبهم».

في المحصلة يرى المؤلف أن المشاكل الكبرى التي يواجهها العالم اليوم تجعل من السهولة أكثر «التقليل من مصداقية الشعر» بسبب «تواضع جمهوره» أو لكون أنه لا يشكل جزءا، «لا ينتمي» إلى منطق «التسلية» المنتصر في السياق الراهن. لكن تهميش الشعر و«هشاشته» لا يعنيان أبدا أنه قد «انطفأ». ذلك أن كُثر ممن يسوق المؤلف آراءهم لا يزالون يؤكدون أن الشعر هو «فوق الأنواع الأدبية الأخرى». إنه لم يمت ولكنه يبقى مجهولا إلى حد كبير من الجمهور العريض.

يقول بول فاليري بهذا الصدد: «لدى أغلبية البشر فكرة غامضة عن الشعر وهذا الغموض في فكرتهم هو الذي يمثل بالنسبة لهم تعريف الشعر». أما عيش التجربة الشعرية بكل عالميتها فإنه يتطلّب «مخاطرة» النظر إلى العالم مواجهة والتحدث عنه بلغة تتحدّى الحديث الشائع، والتخلّص من كل مشروع إعلامي وإيديولوجي».

والشعر هو دعوة لتغيير الواقع، ذلك أنه «انطلاقا من الرعشة حيال نقطة ماء» يمكن للشعر أن يفتح طريقا جديدة في حياتنا، كما ينقل المؤلف عن الشاعر هنري ميشو.

الكتاب: لماذا الشعر؟

تأليف: فابريس ميدال

الناشر: بوكيت - باريس-

0102 الصفحات: ‬248 صفحة

القطع: الصغير

Pourquoi la poésie -

Fabrice Midal

pocket - Paris - 2010

p.