كانت الولايات المتحدة الأميركية هي الموطن الذين انطلقت منه الأزمة المالية العالمية في خريف عام 2008 ولم تنته حتى الآن. والأستاذ الجامعي، ووزير العمل الأميركي الأسبق، روبرت ب. رايش، يكرّس كتابه الأخير ليس للأزمة نفسها التي مثلت موضوع عشرات الكتب، ولكن لــ«ما بعد الصدمة»، كما يقول عنوانه، والذي يبحث فيما يسميه المؤلف بــ«الاقتصاد القادم والمستقبل الأميركي»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.
النقطة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته هي تأكيده أن الخطة التي أعدّها وشرع في تطبيقها الرئيس باراك أوباما لمكافحة نتائج الأزمة والنهوض من جديد بالاقتصاد الأميركي «لن تكون باعثا حقيقيا للنهوض الاقتصادي الحقيقي في الولايات المتحدة... والسبب؟. يحدده المؤلف بالقول إن هذه الخطة «لا تستجيب لأربعين سنة من غياب المساواة في الدخل»، و«غياب مساواة» يتعاظم أكثر فأكثر.
ويقوم المؤلف بمقارنة بين واقع المضاربات الجنونية التي عرفها عقد العشرينات في القرن الماضي والتي كانت في أصل ما سُمي بــ«الانحسار الكبير» وبين ما يجري الآن. والتشخيص الذي يصل إليه هو في غاية الوضوح والبساطة ومفاده أن قسما هائلا من الدخل القومي قد ذهب إلى الشرائح الأكثر ثراء التي دفعت الحكومة الفدرالية والطبقة الوسطى إلى اللجوء للاقتراض. وبالتالي إلى تشكل «فقاعة» مالية كان لا بد لها من أن «تنفجر» ذات يوم.
وبهذا المعنى يريد روبرت رايش التأكيد أن المشكلة الحقيقية التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية هي ذات طبيعة «بنيوية». هذا ما يتم تلخيصه بالقول إن الأثرياء يصبحون أكثر ثراء، والطبقات الوسطى تجد نفسها مدفوعة للاستدانة بغية الاحتفاظ بمستوى معيشة «لائق»، حسب معاييرهم. ويستهل المؤلف كتابه بكلمة لوزير الخزانة الأميركي تيموتي غيتنر تقول: «أفرط الأميركيون لسنوات طويلة في مشترياتهم واقتصدوا قليلا».
الوجه الآخر للتأكيد على الطبيعة «البنيوية» للمشكلة الحقيقية الأميركية، يكمن في رفض المؤلف من جهة لسيل التحليلات التي حملت مسؤولية انفجار الأزمة لــ«وول ستريت» وغيرها من الأسواق المالية. ومن جهة أخرى يرى أن «دروب المستقبل محفوفة بالمخاطر» بالنسبة للاقتصاد الأميركي. هذا إلى جانب التركيز على واقع «هشاشة» الوضع القائم.
وتتم الإشارة أن المرة الأخيرة في التاريخ الأميركي التي عرفت تمركزا كبيرا للثروات بين أيدي حفنة قليلة من الأثرياء كانت بالتحديد في عام 1928. في تلك السنة كان نسبة 1 بالمائة من أبناء الشريحة الأكثر ثراء يملكون 23 بالمائة من الدخل القومي الأميركي. أي كان ذلك قبل «الانحسار الكبير» بفترة وجيزة من الزمن. ويرى المؤلف أن مثل هذا الواقع كان لا بد منه إلا أن يكون متبوعا بــ«هاوية» أكثر عمقا.
ويحاول المؤلف على مدى تحليلات هذا الكتاب تحديد معالم المسار الذي يقود فيه القادة الأميركيون مواطنيهم خلال العقود القليلة القادمة. كما يحاول الكشف عن حقائق اقتصاد المستقبل الذي سيتحدد على أساسه موقع الولايات المتحدة في العالم. ذلك على أساس أن الاقتصاد هو «محرّك السياسة» و«محرك المستقبل»، بالوقت نفسه. والسمة الأساسية التي يتم التأكيد عليها هو أن الطبقات الوسطى التي تشكل غالبية المستهلكين الأميركيين ستجد نفسها، أكثر فأكثر، غير قادرة على شراء ما يقوم الاقتصاد بإنتاجه. هذا يعني «حرمان» هذا الاقتصاد من الدينامية الداخلية التي تشكل رافدا أساسيا له إلى جانب الاعتماد على التصدير.
ومن المسائل الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف شيوع «حالة من القلق» لدى الأميركيين. وهذا ما تتم إعادته لــ«جمود القدرة الشرائية لدى الطبقات الوسطى» وبالتالي لــ«كبح النمو الاقتصادي». هكذا إذا كان الدخل ليس كافيا يقوم «اقتصاد ينتج أكثر من السلع والخدمات مما يستطيع المستهلكون شراءه».
لكن المؤلف يفتح قوسين ليقول أنه إذا كان مثل هذا الواقع ينطبق على الحالة الأميركية في عقد التسعينات وخلال السنوات التي سبقت نشوب الأزمة، فهذا يعني أنه كان ينبغي توجيه فائض الإنتاج إلى الخارج، إلى التصدير، وبالتالي سيكون لدى الولايات المتحدة، «فائضا تجاريا» وليس «عجزا». الواقع يشير إلى غير ذلك.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في توجيه نقده الشديد لشخصيات من الحزب الديمقراطي، حزبه، مثل السناتور «كريس دود» لعلاقاته الحميمة مع الصناعة المالية و«ديك جيفارت» الذي شجب مجموعات الضغط «اللوبي» ثم أصبح أحد رموزها، وكثيرين غيرهما.
ويقدّم «روبرت رايش» تحليلات يربط فيها بين «علم النفس، البسيكولوجيا» و«الاقتصاد» كي يشير إلى أن البشر يصعب عليهم عدم زيادة استهلاكهم عندما يرون أن آخرين حولهم ينفقون مبالغ هائلة. هكذا في بلد فقير قد يثبت أي رجل حبّه لزوجته بتقديم وردة لها، وفي بلد يقدم فيها الأثرياء باقات ورد غالية الثمن لزوجاتهم، يجد الرجال المتواضعون أنفسهم مرغمين أيضاً لشراء «باقة ورد» ولو كانت أكثر تواضعا. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن كلفة الزواج بين الأثرياء ارتفعت في أميركا من 11000 دولار عام 1980 إلى 28000 دولار عام 2007.
وينهي المؤلف كتابه بعدد من النصائح للمستقبل، وفي مقدمتها تبنّي الضريبة على الدخل «تصاعديا» على الأكثر ثراء و«تنازليا» لمن يقلّ دخلهم عن 50000 دولارا. ويطالب بــ«ضمانات الرواتب» وزيادة «الضمان الصحي».
إنّها تحليلات خبير عن حالة الاقتصاد في الولايات المتحدة وسبل ترميمه في منظور «إعادة بناء المجتمع الأميركي».
الكتاب: ما بعد الصدمة، الاقتصاد القادم والمستقبل الأميركي
تأليف: روبرت ب. رايش
الناشر: الفرد كنوبف ــ
نيويورك ــ 2010
الصفحات: 192 صفحة
القطع: المتوسط
Aftershock
Robert B. Reich
Alfred A. Knopf New York 2010
p.