«فرانسواز» عنوان كتاب شهدته رفوف المكتبات الفرنسية قبل أسابيع قليلة. ويكفي هذا الاسم كي يعرف القارئ الفرنسي أن المقصودة هي إحدى اثنتين هما «فرانسواز جيرو» أو «فرانسواز ساغان». وموضوع هذا الكتاب هو الأولى، أي «فرانسواز جيرو» ومؤلفته هي الصحفية والكاتبة والمؤرخة الفرنسية لور ادلر.

«فرانسواز جيرو» هي «أسطورة». بهذا التوصيف تحاول مؤلفة سيرة حياتها تقديمها للقرّاء. تجدر الإشارة أن هذه هي السيرة الثانية عن حياة فرانسواز جيرو التي يتم نشرها في فرنسا حيث صدرت الأولى عام ‬2003 بقلم الصحفية كريستين اوكرنت. وكان ذلك هو عام رحيل صاحية السيرة.

لقد أمضت مؤلفة السيرة الحالية أكثر من سبع سنوات وهي تبحث عن خبايا وأسرار فرانسوا جيرو... وهي «كثيرة»، كما تشير.

ومن الأسطر الأولى تؤكد المؤلفة أنها تريد الكشف عن المظاهر الأكثر «غموضا» في حياة سيدة «الاكسبريس» الكبيرة. والمقصود بذلك مجلة «الاكسبريس» التي ساهمت في تأسيسها عام ‬1945. ونالت فرانسواز جيرو شهرة كبيرة منذ الأعداد الأولى حيث استخدمت جملا «جريئة» لا تزال معروفة حتى الآن في حوليات الصحافة، مثل قولها عن «شابان دلماس»، الشخصية السياسية الديغولي الشهيرة، ما مفاده: «لا يتم إطلاق النار على سيارة إسعاف». باختصار كان الجميع «يخشونها» و«يحترمونها» بما كانت تمثله من «بلاغة الحديث» و«سرعة البديهة» و«الالتزام بالمقاومة» ضد الاحتلال النازي لفرنسا.

وتقدّم لور ادلر صاحبة السيرة على أنها كانت امرأة شغوفة بالعمل ومسكونة بحب الحياة. وتشير إلى أن أولئك الذين عرفوها عن قرب أكّدوا على أن محرك حياتها الأولى كان العمل حيث كانت تردد باستمرار قولها: «إن العمل يساعدني على أن أظلّ صامدة». وعندما كانت في السادسة والثمانين من عمرها وقبل عدة ساعات فقط من سقوطها على الأرض ووقوعها في غيبوبة «لم تستفق منها أبدا»، كانت تعمل في تحرير كتاب. وتشير المؤلفة أن أفضل من وصفها كان جان دانييل، مؤسس ومدير مجلة «نوفيل اوبسرفاتور»، عندما قال: «فرانسواز، إنهـــا إرادة مسلّحة بابتسامة». «الابتسامة» التي اعتبرها الآخرون إحدى علاماتها «المتميّزة» كانت تثير غضبها من نفسها كثيرا كما عبّرت عن ذلك صراحة بقولها:

«أعتقد أنني أبالغ في الابتسام». لقد كانت تسعى باستمرار إلى «السيطرة على الذات». لكنها لم تتردد في مواجهة مصاعب الحياة بـ«ابتسامتها التي كانت تزيدها جاذبية».

لقد استخدمت تلك الابتسامة كـ«مصدّ» أمام رياح الحياة العاتية، كما تقول المؤلفة مشيرة إلى أن فرانسواز جيرو واجهت مصاعب كبيرة لم يكن أقلّها وفاة والدها وهي لم تكن قد غادرت الطفولة تماما؛ ومواجهتها لضرورة كسب عيشها في سن كان الآخرون يشرعون فيه بالتردد على الجامعات؛ ووفاة ابنها «الان»؛ والقطيعة مع جان جاك سرفان شرايبر، «رجل حياتها» الذي تخلّى عنها وتركها فريسة الانهيار العصبي؛ وبيع مجلة «الاكسبريس» التي كانت قد ساهمت في تأسيسها.

كل حدث من هذه الأحداث الكبيرة في حياة فرانسواز جيرو، تلقي عليه مؤلفة هذه السيرة الأضواء من خلال لقاءات وشهادات أولئك الذين كانوا قد عرفوها والذين يعترفون لها أنها ساهمت كثيرا في ولوجهم إلى عالم الصحافة والأدب. هكذا تتحدث لور ادلر عما تسميه بـ«جيل جيرو»، ومن بين هؤلاء صحفيين فرنسيين مشاهير اليوم مثل السيدة ميشيل كوتا وجان فرانسوا كان وكاترين ناي ومادلين شابسال وغيرهم. هؤلاء جميعا اتفقوا على القول أنهم لم يجدوا «مثيلا معادلا» لفرانسواز جيرو.

وهناك جانب آخر تؤكد عليه المؤلفة لدى السيدة جيرو وهو أنها كانت «امرأة سياسة» بامتياز. ذلك أنها، وهي ابنة أسرة مهاجرة تركية ولم تحصل أبدا على شهادة الثانوية، قد أصبحت وزيرة- سكرتيرة دولة لشؤون المرأة، أثناء فترة رئاسة فاليري جيسكار ديستان. وقد أثبتت أنها ذات رؤية استشرافية كبيرة حيث كانت من المعارضين الأشداء للحرب الجزائرية مؤكدة حق الجزائريين بتقرير مصيرهم. هذا بعد أن كانت قد انخرطت في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الألماني.

وبهذا المعنى تقول المؤلفة أن فرانسواز جيرو «اجتازت تاريخ الصحافة كحدّ السيف خلال النصف الثاني من القرن العشرين». ومن خلال الصحافة كانت قد خاضت معاركها السياسية الأولى وكتبت افتتاحيات كان ينتظرها القرّاء. «لقد عرفت كيف تواجه وتجذب وتُقنع وتصحح المسار طيلة فترة حياتها المهنية (...). وهي التي اخترعت أحد أجمل التعريفات للصحفي بقولها أنه هو الذي يرفع الغطاء،عن الأحداث».

الصورة التي ترسمها المؤلفة لفرانسواز جيرو هي أنها كانت تعيش انفعالاتها حتى نهايتها «ضحكات ودموعا». كانت طموحة باستمرار. بالمقابل لا تكتفي المؤلفة بتقديم الوجه الساطع لسيرة حياة «بطلتها» فرانسواز جيرو». ولكنها تحاول سبر المناطق الظليلة فيها مثل «اعتزازها بنفسها» إلى درجة «العناد»، و«التمسّك» برأيها مما جعلها تعترف بعض الأخطاء،بل و«ظلم الآخرين « في أحكامها.

ولا شك أن هذه السيرة تلقي الكثير من الضوء على «المصير الرومانسي» الذي عرفته «فرانس غورجي»، وهذا اسمها قبل أن تصبح «فرانسواز جيرو» أول امرأة تترأس إدارة تحرير مجلة أسبوعية فرنسية لأكثر من عقدين قبل أن تصبح «وزيرة» لاحقا.

الكتاب: فرانسواز

تأليف: لور ادلر

الناشر: غراسيه ــ باريس ــ

‬2011 الصفحات: ‬480 صفحة

القطع: المتوسط

Françoise

Laure Adler

Grasst - paris- 2011

p.