يكرّس المؤرخ البريطاني وعالم الآثار البريطاني «فرنسيس بريور» كتابه الأخير «كيفية صياغة المشهد البريطاني»، كما جاء في عنوانه لدراسة التطورات التي عرفتها المملكة المتحدة منذ العصور القديمة حتى الوقت الراهن. وهو يدرس هذا التاريخ من خلال آثاره في الحقول والطرق والأبنية والمدن والقرى والجبال والغابات والجزر. هذه المكوّنات كلها هي التي يطلق عليها تسمية «المشهد البريطاني». ويهتم المؤلف تحديدا بأشكال تدخل البشر في الوسط المحيط بهم مما يؤدي إلى تغيير معالمه بصورة جذرية أحيانا.
وهكذا يشير المؤلف بداية إلى أن الشوارع في الضواحي القريبة من المدن لا تزال تشكّل الحدود مع مناطق الاستثمار الزراعي إلى فترة قدوم السكك الحديدية التي ساهمت هي الأخرى في خلق مشهد جديد وحدود جديدة. وآثار كبيرة لا تزال بادية حتى الآن إثر الطوفانات التي شهدتها بريطانيا منذ العصور الوسطى.
ما يفعله المؤلف هو «توليفه» بين مختلف المعطيات التي ساهمت في تغيير المشهد البريطاني، ومن خلال هذا «التأريخ» لـ «الأرض البريطانية» وللطريقة التي تصرّف بها «أولئك الذين سكنوا فوقها عبر مراحل التاريخ المختلفة».
ويعيد المؤلف اهتمامه بدراسة «المشهد البريطاني» إلى تلك الفترة التي كان فيها طالبا يافعا في بداية سنوات الستينات المنصرمة، حيث قرأ كتاب «دبليو ج. هوسكنز» الذي عنوانه: «صياغة المشهد » والذي تعلّم منه كيف ينظر إلى ذلك المشهد بصورة منسجمة.
ومنذ تلك الفترة تعلّم أيضا أن إيجاد «الروابط» بين مختلف مكونات أي مشهد إنما توجد أولا وأساسا في المخيلة الإنسانية، وأن الطريقة التي تمت فيها صياغة الوسط المحيط بالبشر لا تخضع دائما للتسلسل المنطقي ولخط التطور المرسوم مسبقا، بل وأن أسباب اتخاذ هذا المنحى أو ذاك في تطور المحيط ليست واضحة دائما.
ويخلص المؤلف إلى القول إن «فهمنا لتاريخ المشهد المحيط بنا يعكس بجوانب كثيرة منه وجهة نظرنا عن المجتمع الإنساني عامة، وهذا يعني أن كل تاريخ يصبح نسبيا».
ويؤكد المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب أن «المشهد البريطاني» عرف تحولات كبرى خلال الفترة التي يطلقون عليها تسمية «فترة الحداثة الأولى» ما بين منتصف القرن السادس عشر ومنتصف القرن السابع عشر.
هذا مع التأكيد على أن كانت هناك باستمرار «خصوصية انكليزية». وإذا كان «المشهد البريطاني» قد عرف بعض التأثيرات «الرومانية» فإن الأمر بقي محدودا بالذهنية «الانكلوسكسونية».
ويشرح فرنسيس بريور أن مفهوم «المشهد» نفسه تعود أصول ظهوره إلى القرن السادس عشر وأنه «يكرّس فكرة تشكيل فني ؟ لوحة فنية- حيث يمكن لعدة عناصر مثل الغابات والهضاب والبحيرات أن تتداخل حسبما تتوجه مخيلة الفنان-الرسام».
وبهذا المعنى يمثل «المشهد» مفهوما مصطنعا يقوم فيه الإنسان بتغييرات و«تحسينات» على «الطبيعة البكر». ومثل هذا «التغيير» يبدو «مرئيا» و«أساسيا» في المشهد البريطاني أكثر مما هو بأي مشهد آخر في العالم.
ويركز المؤلف على القول إن البريطانيين مأخوذون بما يسميه «السمة المقدّسة» للدلالة على «الأرياف». وهم بالنتيجة شديدو الحذر حيال كل ما يتعلق بتغيير مشهد الغابات والمساحات الخضراء. هذه الحساسية تتبدّى بنفس الحدّة حيال أي مجال آخر من المجالات التي يتدخل فيها الإنسان. هكذا مثلا اعتبر أغلبية البريطانيين أن «القطارات ذات السرعة الكبيرة» سوف تسيء إلى جمال الأرياف ولن تقدّم بالمقابل سوى بعض المكاسب المتواضعة.
ومن الأفكار التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب «تعقيد المشهد الوطني البريطاني» أكثر فأكثر. ذلك بفعل ارتباط تطور هذا المشهد باعتبارات متعددة في عدادها المستلزمات العسكرية والصناعية وفقدان الحساسية الإدارية حيال المحافظة على المناطق الخضراء بشكل عام.
هذه الاعتبارات كلها أدت إلى تشويش المشهد البريطاني باتجاه تقليص «المساحات الفارغة» فيه. وعملت في نفس الاتجاه «انحرافات» البشر والتغيرات التي طرأت على مجال تربية المواشي تبعا لاحتياجات السكان ولمستلزمات التجارة.
ويبحث هذا الكتاب في عدة مظاهر لها تأثيرها على «المشهد البريطاني» من بينها «سخونة المناخ»، وزوال عدد من القرى بـ «كنائسها وأديرتها وأسواقها». كما يشرح المؤلف كيف أن التطورات الاقتصادية والقانونية كان لها دائما آثارها على صياغة الوسط المحيط. هكذا كانت تلك التطورات سببا في نزوح السكان عن القرى في العصر الوسيط، وسبب كان مفعوله أكبر من مرض «الطاعون الأسود» الذي عرفته بريطانيا في تلك الحقبة.
ويؤكد المؤلف في تحليلاته على دور تحسّن التقنيات الزراعية ببريطانيا خلال القرن الثامن عشر، خاصة في مجال تنويع الزراعات وتنظيم آليات الري في إحداث تغييرات على المشهد البريطاني. ودور مماثل لعبته سياسة تبنّي إنشاء حدائق عامة خلال الفترة الفكتورية ـ في ظل حكم الملكة فكتوريا.
في الصفحات الأخيرة من الكتاب يحدد المؤلف مصادر التهديد الأكبر على «المشهد البريطاني» بالقول إن «التهديد الحقيقي لمشهد بلادنا ذي التنوع الكبير الذي امتلكه من خلال التجربة التاريخية الطويلة، يأتي بشكل رئيسي من أولئك الذين يستثمرونه من مزارعين وغيرهم».
وبعد القول إن «وجه بريطانيا بما فيه من نتوءات وآثار جراح وأخاديد هو إرث مشترك «يصوغ المؤلف رسالته الأخيرة بالقول إنه على الجميع الحرص كي «تبقى العلامات الفارقة مقروءة وذات دلالة».
الكتاب: كيفية صياغة المشهد البريطاني
تأليف: فرنسيس بريور
الناشر: آلن لين لندن 2010
الصفحات: 848 صفحة
القطع: المتوسط
The making of the british landscape
Francis Pryor
Allen Lane- London- 2010
848p.